مقالات رأي

كيف تطبق إيران «الوصفة الفيتنامية» لاستنزاف واشنطن وفرض الشروط في سويسرا؟

 

حسن حردان

بينما تتجه الأنظار إلى منتجع “بورغنستوك” الهادئ في سويسرا، تبدو الجلسة الأولى والطارئة للمفاوضات الإيرانية – الأميركية وكأنها تفكيك لـ “لغم” التصعيد الإقليمي في الشرق الأوسط. لكن وراء التفاصيل التقنية لمذكرة التفاهم المكونة من 14 بنداً، يبرز نمط تفاوضي يعيد إلى الأذهان كلاسيكيات الصراع الدولي؛ إنها المحاكاة الدقيقة التي تقودها طهران لـ “المدرسة الفيتنامية” في إدارة الأزمات.
فمثلما نجحت دبلوماسية هانوي (1968 ـ 1973) في ترويض المفاوض الأميركي عبر توظيف استنزاف جيشه ميدانياً وشلّ قدرته على الحسم، وإجباره في النهاية على توقيع صك الانسحاب تحت نار المقاومة ودون قيد أو شرط، تسير الدبلوماسية الإيرانية اليوم على ذات السكة الاستراتيجية. إنها عقيدة تحويل كلفة الحرب وضغط الميدان في لبنان والمنطقة وورقة مضيق هرمز، إلى رافعة دبلوماسية صلبة على الطاولة، تفرض عبرها طهران شروطها السياسية والاقتصادية مسبقاً، وتجبر واشنطن على التراجع خطوة تلو الأخرى تحت وطأة استنزاف خياراتها الجيوسياسية.

أولاً: هندسة التفاهم الفني
وتحصين الأولويات الإيرانية
جاءت النتائج الأولية للجلسة الأولى لتعكس حزماً إيرانياً في إعادة ترتيب أولويات الأجندة الدولية بما يتوافق مع رؤيتها الأمنية والاقتصادية، وهو ما ظهر في مسارين:
شرط التنفيذ المسبق (المادة 13): نجحت طهران في تحويل “الملف النووي” ـ وهو الهدف الأساسي لواشنطن ـ إلى ملف مؤجل النقاش. من خلال ربط البدء في مفاوضات الاتفاق النهائي بالتنفيذ الفوري لرفع القيود النفطية والإفراج عن الأموال المجمدة، فرضت إيران منطق “بناء الثقة الإجرائي” بدلاً من منطق “الإملاءات”.
معادلة النفط مقابل الاستقرار الإقليمي: تدرك طهران حاجيات إدارة ترامب الحالية؛ فالأخيرة ترغب في تجنب قفزات أسعار الطاقة وضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز. في المقابل، وظفت إيران هذه الحاجة لانتزاع بنود شرعنة الصادرات النفطية والإفراج عن الأصول المحتجزة (المادتين 10 و11).

ثانياً: تفكيك العقدة اللبنانية
و”المدرسة الفيتنامية”
تتطابق الطريقة التي تدير بها طهران ملف إنهاء الحرب في لبنان (المادة 1) مع إرث مفاوضات باريس للسلام (1968 ـ 1973) بين واشنطن وفيتنام الشمالية، وتتجلى هذه المقاربة في:
استراتيجية “نقاتل ونفاوض”: لم تذهب إيران إلى سويسرا مدفوعة بالانكسار الميداني لحلفائها، بل ذهبت وهي تمتلك أوراق تصعيد قادرة على إيذاء المصالح الأميركية والإسرائيلية. إن إنشاء “خلية لفض النزاع” بمشاركة الحكومة اللبنانية يُعد اعترافاً ضمنياً بنفوذ طهران الإقليمي وقدرتها على ضبط إيقاع الحرب والسلم.
استغلال التناقضات الداخلية للخصم: تماماً كما فعل الفيتناميون مع إدارة نيكسون، تعزل الدبلوماسية الإيرانية التهديدات الإعلامية الحادة للرئيس ترامب عبر وسائل التواصل الاجتماعي عن مسار التفاوض الفني الذي يقوده نائبه جي دي فانس. إن “الانسحاب المؤقت” أو الاحتجاج الإيراني في قاعة المباحثات رداً على التهديدات يمثل تكتيكاً لإنهاك المفاوض الأميركي وإجباره على الالتزام بالمسار المهني بعيداً عن البروباغندا السياسية.

ثالثاً: الدلالات والاستنتاجات الأولية
بناءً على مجريات الجلسة الأولى ومواقف الأطراف، يمكن استخلاص الدلالات الاستراتيجية التالية:
1 ـ تحوّل في ديناميكيات القوة
تثبت المفاوضات الحالية أنّ سياسة “الضغوط القصوى” لم تعد قادرة على إنتاج تنازلات أحادية الجانب. اعتماد إيران على الصبر الاستراتيجي وحياكتها الدقيقة للتفاصيل يثبت أن “الواقعية السياسية” تفرض على واشنطن القبول بمبدأ الندية والتخلي عن صيغة العصا والجزرة التقليدية.
2 ـ ترابط الساحات كأمر واقع
إن نجاح إيران في فرض بند إنهاء الحرب في لبنان كشرط يسبق أي نقاش نووي، يمثل رسالة جيوسياسية واضحة: لا يمكن عزل الملفات الإقليمية عن بعضها البعض، وأيّ استقرار في الخليج أو تقدم في الملف النووي يمرّ حتماً عبر تهدئة الجبهات في شرق المتوسط.
3 ـ هشاشة “خارطة الـ 60 يوماً”
رغم التفاؤل الحذر الذي أحدثه هيكل الاتفاق الإجرائي، إلا أن خارطة الطريق المقترحة تظل محفوفة بالمخاطر. غياب الثقة المتبادلة وتناقض الخطاب الأميركي المعلق بين التهديد الخارجي والرغبة في التسوية الداخلية، يعنيان أن هذا المسار قد ينهار عند أول احتكاك ميداني غير محسوب، مما يجعل الأسابيع المقبلة اختباراً حقيقياً لمدى قدرة الوسطاء (القطري والباكستاني) على ضبط “الشياطين الكامنة في التفاصيل”.
خلاصة القول: إنّ مفاوضات بورغنستوك تعيد التذكير بأنّ الدبلوماسية لا تلغي الحرب بل تترجم موازين قواها؛ وإيران، بتطبيقها للمقاربة الفيتنامية، تسعى إلى تحويل صمودها الميداني واكتفائها الذاتي النفطي إلى وثيقة اعتراف دولي بموقعها كلاعب إقليمي لا يمكن تجاوزه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى