مقالات رأي

لا انصاف حلول بين حزب الله والعدو

 

نور نعمة – الديار

«يا قاتل يا مقتول» لم تعد مجرد عبارة، بل باتت تختصر واقع المواجهة الدائرة اليوم بين حزب الله والعدو الإسرائيلي. إنها معادلة حاسمة لا تقبل التسويات ولا أنصاف الحلول، في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، يقف فيها لبنان عند مفترق مصيري.

ما يجري لم يعد مجرد اشتباكات حدودية، بل يحمل ملامح مشروع عسكري أوسع يعيد إلى الأذهان سيناريو عام 1982، حين اجتاح جيش الاحتلال بيروت. المؤشرات الميدانية والسياسية توحي بأن هدف هذا التصعيد يتجاوز جنوب الليطاني، ليطال العمق اللبناني، وصولًا إلى العاصمة. غير أن حسابات اليوم تختلف جذريًا عن الماضي، وفي مقدمتها وجود قوة منظمة ومتمرسة كحزب الله، الذي يفرض معادلات ميدانية مكلفة على جيش الاحتلال ويمنعه من تحقيق أهدافه بسهولة.

ورغم تغيّر الظروف، يبقى سلوك الجيش الإسرائيلي ثابتًا: قوة عسكرية تعتمد سياسة التدمير الشامل، بلا ضوابط أخلاقية أو قانونية، مستندة إلى دعم أميركي غير محدود بأحدث الأسلحة وأكثرها فتكًا. إلا أن هذا التفوق العسكري لم ينجح في كسر إرادة المواجهة، بل زاد من صلابة من يقاتلون دفاعًا عن أرضهم.

في المقابل، تستند المقاومة إلى عقيدة قتال واضحة: الدفاع عن الأرض والسيادة. وهذا ما يمنحها، في نظر مؤيديها، شرعية ميدانية ومعنوية، ويجعل من مقاتليها قوة صمود لا يُستهان بها. هؤلاء لا يخوضون معركة ظرفية، بل معركة وجود، يرون فيها امتدادًا لتاريخ طويل من التضحيات المرتبطة بأرض الجنوب وذاكرة أهله.

غير أن الخطر الحقيقي الذي يهدد لبنان اليوم لا يقتصر على الجبهة العسكرية. فبموازاة التصعيد مع إسرائيل، يتصاعد في الداخل خطاب انقسامي حاد، يتجاوز الاختلاف السياسي المشروع إلى مستويات غير مسبوقة من التوتر والعداء.

هذا الانقسام يشكّل، في جوهره، تهديدًا وجوديًا يفوق في خطورته أي توغل عسكري. فالتاريخ اللبناني يثبت أن التفكك الداخلي كان دائمًا المدخل الأخطر لانهيار الدولة. ومع تصاعد التوتر، يصبح احتمال الانزلاق إلى صدامات داخلية واقعًا قابلًا للتحقق عند أول احتكاك، ما يعيد إلى الواجهة شبح الحرب الأهلية بكل ما يحمله من تداعيات كارثية.

لبنان اليوم لا يواجه خطرًا واحدًا، بل مسارين متوازيين: عدوان خارجي يسعى لفرض وقائع جديدة بالقوة، وتفكك داخلي يهدد بتقويض ما تبقى من تماسك وطني. وبين هذين المسارين، يقف البلد أمام اختبار حقيقي لقدرته على الصمود، ليس فقط عسكريًا، بل سياسي ومجتمعي.

فهل يستخلص اللبنانيون العبر من تاريخهم القريب، ويدركون أن الانقسام هو السلاح الأكثر فتكًا بوطنهم؟ أم يكررون الأخطاء ذاتها، ويفتحون الباب أمام انهيار لا يقل خطورة عن أي اجتياح عسكري؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى