لا نزال ندفع ثمن حرب الأيام الستة

أوريت لافي ناشيل
على مدى ستين عاما تقريبا، تدفع إسرائيل ثمن انتصارها في حرب الأيام الستة. ويمكن تلخيص الإرث السياسي والأمني والأخلاقي لهذا النصر في ثلاث كلمات: احتلال. احتلال. احتلال. منذ ذلك الإنجاز العسكري الباهر، لم تعرف دولة إسرائيل لحظة راحة. لو كانت حكومتها تتمتع بالبصيرة الكافية، لكانت حوّلت النصر العسكري إلى إنجاز سياسي، ولما حكمت على الأجيال القادمة بالصراعات الداخلية والحرب الأبدية.
لم تتخذ إسرائيل قرارا منهجيا بشأن مصير الأراضي المحتلة، ولم تُعر اهتماما للأصوات التي حذّرت من الاحتلال. استغلت حركة غوش إيمونيم، التي ظهرت بعد حرب يوم الغفران، هذا الوضع، وأرست وقائع على الأرض. وبُذرت بذور الخيال المسيحاني مباشرة بعد الحرب، مع تأسيس حركة أرض إسرائيل الكاملة.
في كتابه “فخ الـ 67″، يُسلّط ميكا غودمان الضوء على مُعلّم جيل الصهيونية الدينية، الحاخام تسفي يهودا كوك، الذي فسّر الأحداث التاريخية على أنها تحقيق لمراحل مختلفة في خطة إلهية مسيحانية. كان الاحتلال، من وجهة نظره، بداية الخلاص. وقد تأسست حركة الاستيطان على هذا الأساس المفاهيمي واللاهوتي والأيديولوجي.
تُعدّ القدس مثالاً على ثمن النصر. فقد استولت المستوطنات على مناطق في شرق المدينة وأنشأت منطقة عازلة بين الأحياء الفلسطينية، لكنها لم تُرسّخ انتماء السكان لدولة إسرائيل. يعيش ما يقرب من 400 ألف نسمة في القدس الشرقية، معظمهم يحملون إقامة دائمة ويتمتعون بالحقوق الاجتماعية، لكنهم ليسوا مواطنين إسرائيليين. أما الأحياء العربية فهي مُهمَلة. وتبقى عبارة “المدينة الموحدة” مجرد شعار أجوف.
لم يتوقف ثمن حرب الأيام الستة عند القدس والأراضي المحتلة، بل يمتد الأمر إلى جميع مستويات الحياة في إسرائيل، وفي مقدمتها البُعد الأمني. كانت حرب أكتوبر (حرب يوم الغفران)، وضحاياها، وفقدان الثقة في مؤسسات الدولة، إلى حد كبير نتيجة لنشوة القوة التي أعقبت عام 1967. ثم جاءت الانتفاضات، والتفجيرات الانتحارية، والعمليات في غزة، ومعها شعور بأن إسرائيل تعيش من جولة إلى أخرى.
كما تعمّق الانقسام الاجتماعي بين اليمين واليسار، وبين العلمانيين والمتدينين، وبين اليهود والعرب، وبين من يرون الاحتلال كارثة ومن يرونه قدراً محتوماً. إن مسألة الأراضي تُشكّل في الواقع حياة وهوية كل مواطن في إسرائيل. وقد تغلغل شعور غياب الحدود إلى حدّ التباس القيم الأخلاقية. من المستحيل حكم شعب آخر لعقود دون دفع ثمن نفسي وأخلاقي وإنساني باهظ. أصبحت إسرائيل دولة مُهيمنة تتحدث بشكل متزايد بلغة التفوق اليهودي. وفي الوقت نفسه، تراجعت الحساسية تجاه حقوق الإنسان، والالتزام بسيادة القانون، والموقف من استخدام القوة.
يمكن الجدال حول النفاق العالمي ومعاداة السامية، لكن لا يمكن تجاهل حقيقة أن الاحتلال يزوّد أعداء إسرائيل بالذريعة الأقوى. فالاحتلال يقوّض مكانة إسرائيل في العالم، ويضعف شرعيتها الدولية إلى حدّ وصفها بدولة فصل عنصري. صحيح أن إسرائيل هزمت الجيوش العربية في ستة أيام، لكنها بقيت عالقة في نصر باهظ الثمن.




