استراتيجيات وتقارير

مركز القدس للشؤون الخارجية والأمنية مفتاح السلام في الشمال: استعادة السيادة اللبنانية من حزب الله

أفيرام بالايش

كشفت المحادثات المباشرة بين إسرائيل ولبنان، التي عُقدت في واشنطن في 14 أبريل/نيسان بوساطة وزير الخارجية ماركو روبيو، عن الصعوبة الجوهرية لهذه المفاوضات: ليس اختلاف الأهداف، بل اختلاف اللغة.
ينخرط الطرفان في حوار لأن المشكلة حقيقية: حزب الله. تستطيع إسرائيل تسميته صراحةً. ولا يستطيع لبنان تبني لغة تُصوّر هذه المحادثات كشراكة مع إسرائيل ضد حزب الله دون تقويض شرعيتها الداخلية حتى قبل أن تبدأ. التحدي الحقيقي لا يكمن فقط فيما يريده كل طرف، بل أيضاً في كيفية تحديد هدف المفاوضات دون تقويضه منذ البداية.
يمثل حزب الله في آنٍ واحد مشكلة سيادة لبنانية وتهديداً أمنياً لإسرائيل. ثمة تداخل في المصالح بين بيروت والقدس في ضرورة منع حزب الله من ممارسة سيطرة عسكرية مستقلة في جنوب لبنان. مع ذلك، لا يضع هذا التداخل الطرفين في صف واحد.
يُعدّ السلام مع لبنان هدفاً هاماً. وسيكون تطبيع العلاقات بين البلدين إنجازاً إقليمياً حقيقياً. مع ذلك، لا بد من التأكيد على أمرٍ بسيط: لا سبيل إلى تحقيق أيٍّ من هذا طالما استمر حزب الله في الوجود كمنظمة إرهابية مسلحة ذات قيادة عسكرية مستقلة، وقرارات مستقلة بشأن التصعيد، ووضعٍ يُقوِّض بشكلٍ جوهري احتكار لبنان لاستخدام القوة. لا يمكن للسلام أن يتحقق مع حكومة، بينما يمتلك كيانٌ آخر داخل الدولة الحق في تقرير الحرب والسلام.
لذا، يجب إعادة صياغة الهدف. فالهدف ليس نزع السلاح بالمعنى التقليدي، بل إنهاء نزع السيادة: إلغاء منهجي وتدريجي للوظائف السيادة التي يمارسها حزب الله حاليا من الأراضي اللبنانية. وتستند هذه الوظائف إلى أربعة أركان:
أولها الحق في تقرير الحرب والسلام بشكلٍ مستقل عن الدولة اللبنانية. ثانيها السيطرة الفعلية على جنوب لبنان والمنطقة الحدودية. ثالثها السيطرة على التدفقات المالية وسلاسل الإمداد وشبكات التهريب. رابعها القدرة على استبدال الدولة نفسها من خلال إعادة التأهيل والرعاية والخدمات والتمثيل السياسي داخل المجتمع الشيعي.
إن الإزالة التدريجية لهذه الوظائف الأربع هي السبيل الوحيد لإعادة جنوب لبنان، والسلطة عليه، إلى الدولة اللبنانية. والإبقاء على أي منها سيحوّل أي اتفاق إلى مجرد هدنة تكتيكية، لا تسوية.
الدعم الأمريكي ضروري، ليس كحضور رمزي أو إعلان دبلوماسي، بل كركيزة أساسية. فقط إطار عمل مستدام بقيادة الولايات المتحدة قادر على تعزيز احتكار لبنان لقرارات الحرب والسلام، والسماح بإنشاء ونشر قوة لبنانية متخصصة في الجنوب، وممارسة ضغط حقيقي، وإشراف، وفرض عقوبات على شبكات تمويل حزب الله ولوجستياته، وترسيخ جهود إعادة الإعمار التي ستعيد الدولة اللبنانية تدريجياً إلى دورها كمزود للخدمات. وبدون هذا الدعم، يصبح نزع السيادة مجرد مفهوم. وبوجوده، يصبح خطة قابلة للتنفيذ.
لا تسعى إسرائيل إلى تقويض السيادة اللبنانية، ولا تسعى إلى فرض نظامها السياسي في لبنان. السيادة اللبنانية ملك للبنان. اهتمام إسرائيل أضيق وأكثر عملية: أمن مواطنيها، وسلامة حدودها السيادية، ومنع حزب الله من ممارسة سيادته العسكرية ضد إسرائيل انطلاقا من الأراضي اللبنانية.
كلما خضع جنوب لبنان لسلطة الدولة اللبنانية بشكل فعلي، قلّت حاجة إسرائيل للتدخل بمفردها. وبالتالي، فإن القضية الحقيقية ليست السيادة اللبنانية بحد ذاتها، بل ما إذا كانت هذه السيادة ستُمارس من قِبل الدولة اللبنانية أم سيحل حزب الله محلها.
لذلك، يجب أن يعود جنوب لبنان إلى السلطة الفعلية للدولة اللبنانية، وألا يبقى تابعا لإسرائيل أو حزب الله. وأي انتقال من الوضع الأمني الإسرائيلي الحالي لا يمكن أن يتم إلا تدريجيا وبشروط، في ظل وجود وإشراف أمريكي مباشر، وبالتنسيق الأمني المستمر مع إسرائيل.
المطلوب ليس انتشارا عاما للجيش اللبناني، بل قوة لبنانية مخصصة للجنوب: يتم تجنيدها من خارج السكان المحليين في الجنوب، ومن خارج البنية التحتية التي بناها حزب الله هناك، وتدريبها وتمويلها والإشراف عليها ضمن هذا الإطار الأمريكي، وتُكلف بمهمة حماية المنطقة، وحماية مؤسسات الدولة، ومراقبة الحدود، ومنع عودة حزب الله. ليست قوة معادية للشيعة، بل قوة تابعة للدولة اللبنانية تمارس السيادة اللبنانية فعلياً.
يجب إلحاق ضرر دائم بخطوط إمداد حزب الله، لا تعطيلها مؤقتاً فحسب. الضرر الذي لحق بالممر السوري حقيقي، لكنه لن يدوم. وما دام هناك طريق موثوق لنقل الأسلحة والأموال والخبرات، فإن أي ترتيب في الجنوب يبقى قابلاً للتراجع. هذه ليست مسألة فنية ثانوية، بل هي إحدى الوظائف الأساسية للسيادة التي يجب نقلها.
يجب أيضاً كسر احتكار حزب الله الاجتماعي. قوته هيكلية، وليست عسكرية فحسب. تنبع من التبعيات: عقود إعادة الإعمار، ومدفوعات التعويضات، وشبكات العمل، والخدمات، والنفوذ السياسي. لا يمكن لأي ترتيب أمني أن يدوم إذا ظل السكان يعتمدون كلياً على حزب الله في توفير الضروريات الأساسية للحياة. إن آلية إعادة الإعمار التي تقودها الدولة وتدعمها جهات دولية ليست إضافة إنسانية، بل ضرورة استراتيجية.
في هذا السياق، يجب النظر بوضوح إلى نبيه بري. هو ليس محركا للحل، بل جزء من النظام الذي مكّن حزب الله من ترسيخ موقعه لعقود. لا ينبغي التعامل معه كضامن أو شريك تنفيذي أو قناة لتمويل الموارد. يجب أن تمضي العملية قدما دون أن تُحوّله إلى نقطة عبور يمر عبرها كل شيء. إن حدث ذلك، فلن يتدفق شيء.
يجب أن يتغير معيار النجاح تبعا لذلك. النجاح ليس وثيقة موقعة أو إعلانا مشتركا. النجاح هو وضع قابل للتحقق، في غضون سنوات قليلة، يتوقف فيه حزب الله عن ممارسة سيادته العملياتية جنوب الليطاني، ويخضع جنوب لبنان فعليا لسلطة الدولة، وتتضرر شبكات حزب الله المالية واللوجستية بشكل ملموس، ويتوفر للجمهور الشيعي بدائل حقيقية للاعتماد على تنظيم مسلح واحد.
هذا هو أيضا شرط السلام. ليس لأن السلام مع لبنان بعيد المنال، بل لأنه ممكن: حدود هادئة، تجارة، سياحة، علاقات مدنية، وشرق أوسط أكثر استقرارا. ولكي يتحقق ذلك، يجب أن يعود جنوب لبنان إلى الدولة اللبنانية، وأن يكون قرار الحرب والسلام بيد الحكومة لا الميليشيات. ما بدأ في 14 أبريل/نيسان لن يصبح احتمالاً حقيقياً للسلام إلا إذا عاد جنوب لبنان إلى الدولة اللبنانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى