الصلابة الاستراتيجية بعد رحيل المرشد: لا مساومة على الحقوق ولا تراجع عن وحدة

حسن حردان
تخطئ دوائر القرار الغربي حين تقرأ التحولات الكبرى في إيران بعين الرغبة في التراجع أو الرهان على تصدّع جدار “الثوابت”. إن اللحظة التاريخية الاستثنائية التي تعيشها الجمهورية الإسلامية، عقب التوديع المليوني المهيب للقائد التاريخي الشهيد السيد علي خامنئي، لم تكن مجرد مشهد وداع، بل تحوّلت إلى استفتاء شعبي ومؤسساتي متجدد على عقيدة سياسية راسخة: السيادة المطلقة، ورفض الهيمنة، وتلاحم قوى المقاومة.
من هذا المنطلق، يرسم المشهد الإيراني الراهن محددات حاسمة للمرحلة المقبلة، سواء على مستوى المفاوضات الدولية أو على مستوى إدارة الصراع الإقليمي.
أولاً: عقيدة السيادة.. رفض الإملاءات تحت وطأة الضغوط،
تثبت التجربة التاريخية لإيران أنّ الضغوط القصوى والاغتيالات الاستراتيجية لا تنتج تراجعاً، بل تولّد “صلابة تفاوضية” تستند إلى رافعة شعبية وعقائدية. وفي ضوء التطورات الدبلوماسية الأخيرة، يتجلى هذا المبدأ في نقطتين أساسيتين:
حصانة القرار الوطني: إن دخول طهران في أي مسارات تفاوضية غير مباشرة، أو وضع مهل زمنية (كمهلة الـ 60 يوماً)، لا يعني بأي حال من الأحوال الاستعداد لتقديم تنازلات تمس السيادة الوطنية أو الحقوق المشروعة في التطوير التكنولوجي والدفاعي.
معادلة الندية لا الخضوع: الرسالة الإيرانية لواشنطن وللمجتمع الدولي واضحة وحاسمة: لا تفاوض تحت التهديد، ولا مساومة على عناصر القوة الذاتية. إيران لا تتحرك من موقع انكسار أو استعجال، بل تفرض شروطها القاضية بالرفع الشامل والفعلي للعقوبات وتحرير أصولها المالية، معتبرة أن أي اتفاق لن يكتب له النجاح ما لم يحترم كرامة الدولة وسيادتها الكاملة وحقوقها لا سيما حقها في الحفاظ على برنامجها النووي ومواصلة التخصيب للاغراض السلمية.
ثانياً: وحدة الساحات.. المحور ككتلة استراتيجية غير قابلة للتجزئة،
على هامش مراسم التشييع الحاشدة، بعثت اللقاءات المكثفة بين القيادة الإيرانية وقادة حركات المقاومة في المنطقة برسالة استراتيجية بالغة الأهمية إلى من يهمه الأمر: محور المقاومة هو وحدة عضوية وسياسية وعسكرية متكاملة، لا تقبل القسمة ولا التجزئة.
الثابت العقائدي والسياسي: إن التزام إيران بدعم قوى المقاومة في لبنان، فلسطين، وكافة الجبهات ليس ورقة مناورة سياسية يمكن مقايضتها في الصفقات الدولية، بل هو ركن بنيوي في استراتيجيتها الإقليمية.
تتأكد هذه الوحدة من خلال محددات واضحة هي:
رفض الفصل بين الجبهات: تسقط طهران ومعها قادة المحور أي مراهنة غربية أو إسرائيلية على إمكانية “الاستفراد” بجبهة دون أخرى، أو إغراء إيران باتفاقات ثنائية تعزلها عن عمقها الاستراتيجي في جنوب لبنان أو غزة.
التكامل بين الميدان والدبلوماسية: إن صمود جبهات المقاومة والمواجهة، وبخاصة جبهة لبنان، هو الذي يمنح المفاوض الإيراني فائض القوة لفرض الشروط. وبالمثل، فإن صلابة الموقف الدبلوماسي في طهران والتمسك بترابط الجبهات تشكل شبكة أمان سياسية للميدان.
تجديد العهد في لحظة التحوّل: جاءت اللقاءات مع وفود المقاومة وعوائل الشهداء لتؤكد أنّ مرحلة ما بعد المرشد الإمام علي خامنئي هي امتداد وفاء للنهج ذاته، وأن الخطوط الحمر الإيرانية حيال حماية المحور وتعزيز قدراته الردعية ما زالت ثابتة لا تراجع عنها.
لقد اثبتت التجربة أن شن الحروب على ايران انما تزيد الثوابت الإيرانية تجذراً. إن طهران، وهي تدير أعقد الملفات الدبلوماسية والأمنية في هذه المرحلة الانتقالية، تفعل ذلك من موقع القوة المعتمدة على جبهة داخلية تترجمها الملايين في الشوارع، وجبهة إقليمية يمثل فيها محور المقاومة سداً منيعاً يرفض المساومة، ويسقط أوهام الفصل والتفكيك، لتبقى معادلة “الميدان والدبلوماسية” هي المسار الوحيد لفرض إرادة الشعوب وسيادتها.
