خديعة «المسارات المنفردة» تتهاوى في الدوحة: كيف فرضت طهران «وحدة الملفات» وأحبطت مناورة واشنطن وتل أبيب؟

حسن حردان
شهدت العاصمة القطرية الدوحة تحوّلاً دراماتيكياً في مسار الصراع الإقليمي المعقد، حيث اختتمت جولة المفاوضات الفنية غير المباشرة بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية، برعاية قطرية ـ باكستانية مشتركة. ولم تكن هذه الجولة مجرد بحث في تفاصيل فنية لتبادل الأسرى أو الإفراج عن مليارات الدولارات الإيرانية المجمّدة، بل تحوّلت إلى محطة استراتيجية أسقطت فيها طهران المحاولة الأميركية ـ الإسرائيلية لـ “تجزئة” الساحات، وكرّست فرض معادلة تفاوضية صارمة أعادت الاعتبار لـ “البند الأول” من مذكرة تفاهم إسلام آباد (الموقعة في 18 حزيران الماضي).
جاءت نتائج الدوحة لتوجّه صفعة مباشرة لرئيس وزراء العدو الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي تباهى قبل أيام بانتزاع موافقة لتكريس “منطقة أمنية” في جنوب لبنان، وتكشف في الوقت ذاته عن حدود القدرة الأميركية في التهرّب من التزاماتها الإقليمية أمام إصرار إيراني متمسك بالثوابت الميدانية والسياسية.
أولاً: الدوحة تنسف “الوهم الإسرائيلي”
وتفكك “الاتفاق الثلاثي”
قبل انطلاق جولة الدوحة، حاولت واشنطن وتل أبيب ترويج ما سُمّي بـ “الاتفاق الإطاري الثلاثي” 26 حزيران (الأميركي ـ الإسرائيلي ـ اللبناني)، وهو المشروع الذي صُمّم خصيصاً لهندسة حلّ منفرد يهدف إلى فصل الجبهة اللبنانية كلياً عن مسار “جنيف” إسلام آباد وعن المظلة الإقليمية الكبرى. وكان الهدف إجبار لبنان على القبول بإملاءات أمنية معقدة تربط الانسحاب “الإسرائيلي” التدريجي بتفكيك البنية التحتية للمقاومة في مناطق تجريبية محددة، مفخخة، وتجريدها من سلاحها.
إلا أنّ ما جرى في الدوحة وجه ضربة قاسية مغايرة تماماً لمسار واشنطن وما نتج عنه من اتفاق:
تثبيت الترابط الإقليمي: نجح الوفد الإيراني، بقيادة نائب وزير الخارجية كاظم غريب آبادي، في حصر النقاش في “البند الأول” للمذكرة، رافضاً بشكل قاطع القفز إلى الملف النووي أو أيّ ملفات سياسية أخرى قبل التطبيق الفعلي لوقف الأعمال العدائية والانسحاب “الإسرائيلي” الكامل وغير المشروط من جنوب لبنان.
سقوط تفويض “المنطقة الأمنية”: تهاوت الرواية التي سوّقها نتنياهو لجمهوره حول انتزاع موافقة على بقاء جيشه في شريط أمني؛ إذ تحوّل ملف الجنوب اللبناني في الدوحة من “ترتيب أمني محلي خاضع للشروط الإسرائيلية” إلى “تعهّد أميركي ملزم بالانسحاب الشامل” كجزء لا يتجزأ من حزمة السلام الإقليمي.
ثانياً: العوامل التي أجبرت إدارة ترامب
على الانصياع (للمرة الثانية)
لم يكن تراجع إدارة دونالد ترامب في الدوحة وقبولها بمجاراة الشروط الإيرانية وحصر الجولة في المسائل التنفيذية لبناء الثقة نابعاً من رغبة أميركية، بل جاء نتاج اصطدامها بـ “كوابح” استراتيجية وميدانية فرضت عليها التضحية بطموحات حليفتها “إسرائيل” للمرة الثانية:
1 ـ صرامة الموقف الإيراني (معادلة الحزمة الواحدة)
واجهت طهران الوسطاء بـ “الانتهاكات الأميركية” للبند الأول، خاصة تعزيز الحشود العسكرية الأميركية في غرب آسيا ومحاولات الالتفاف في لبنان. وأبلغت طهران الجميع بأنّ “التزامات المذكرة حزمة واحدة متكاملة ولا يمكن تجزئتها”. هذا الإصرار حرم واشنطن من ممارسة مناورتها التقليدية القائمة على أخذ المكاسب السياسية أولاً وتأجيل الاستحقاقات الفنية (مثل تسييل 3 مليارات دولار من الأموال المجمّدة لشراء سلع أساسية وتثبيت آلية مراقبة الانتهاكات الميدانية).
2 ـ الفيتو الأميركي على “الحرب الشاملة” (كبح جماح البنتاغون)،
رغم أنّ البنتاغون، بإيعاز من وزير الحرب بيت هيغسيث، قدّم لترامب خيارات عسكرية لشن ضربات واسعة ضدّ إيران في حال انهيار المسار الدبلوماسي، إلا أنّ ترامب أبدى فزعاً واضحاً من الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة. وأبلغ ترامب مساعديه بوضوح أنه يفضل الاستمرار في الدبلوماسية وتجاوز مهلة 18 آب الشاملة على المغامرة العسكرية، مما جعل الإدارة الأميركية مستعدة لتقديم تنازلات تكتيكية على حساب الرغبة الإسرائيلية في التصعيد.
3 ـ الربط بين الملفات
طرحت إيران في الدوحة، مستندة إلى خطة عُمانية، ملف الملاحة في مضيق هرمز ومطالبتها بفرض سيادتها ورسوم خدمات بحلول منتصف آب. هذا الربط الذكي بين أمن الملاحة الدولية، وتحرير الأصول، ووقف العدوان على لبنان، جعل واشنطن تدرك أنّ أيّ تغطية للمناورات الإسرائيلية في الجنوب اللبناني سيعني تلقائياً تفجير أمن الطاقة والاقتصاد العالمي، وهو ما لا يمكن لإدارة ترامب تحمله في هذه المرحلة.
ثالثاً: الخلاصات والدلالات الاستراتيجية
إنّ جولة الدوحة الفنية لم تكن مجرد جولة تفاوضية عابرة، ويمكن استخلاص دلالاتها في النقاط التالية:
1 ـ نهاية عصر “فصل المسارات”: أثبتت النتائج أنّ محاولات الاستفراد بلبنان وعزله قد أُحبطت دبلوماسياً بفعل تكامل الميدان مع الدبلوماسية الإقليمية. لبنان لم يعد ساحة مكشوفة للإملاءات، بل شريك في معادلة ردع إقليمية تحمي حقوقه السيادية.
2 ـ تحوّل الدور الأميركي: انتقلت واشنطن من موقع “المهندس” الذي يفرض الشروط والاتفاقيات الثلاثية المفخخة (التي وصفها رئيس مجلس النواب نبيه بري بأنها أسوأ من اتفاق 17 المشؤوم)، إلى موقع “الطرف الضامن والملزم” بتقديم تعهّدات للجانب الإيراني بالسيطرة على السلوك الإسرائيلي واحتواء اندفاعته.
3 ـ مأزق نتنياهو الوجودي: بات رئيس وزراء العدو “الإسرائيلي” مكشوفاً أمام داخله؛ فقد تيقن الشارع “الإسرائيلي” والمعارضة أنّ “انتصاراته الدبلوماسية” كانت مجرد أوهام، وأنّ الولايات المتحدة، في لحظة الاختيار بين أمن مصالحها الكبرى وبين طموحات اليمين المتطرف في تل أبيب، تختار دائماً مصالحها وتترك نتنياهو ليواجه خياراته الميتة: إما الانسحاب المذلّ أو المواجهة المنفردة.
من هنا تؤكد نتائج الدوحة أنّ طهران لا تزال تمسك بترمومتر الميدان والدبلوماسية في آن واحد. ومع تأجيل الملفات الاستراتيجية الكبرى إلى ما بعد انتهاء مراسم تشييع الجنازة الرسمية للمرشد الشهيد السيد علي خامنئي في 9 تموز، تترقب المنطقة مرحلة جديدة أصبحت فيها قواعد اللعبة أكثر وضوحاً: لا أمن في الشرق الأوسط عبر القفز فوق حقوق الشعوب، ولا اتفاقات مجتزأة يمكنها الصمود أمام إرادة ووحدة محور المقاومة المتكامل…

