لا خامنئي ولا أردوغان: عضو سابق في الكنيست كان يُجسد تحالف الشر

مايكل كلاينر
منذ السنوات الأولى لدولة إسرائيل، اعتُبر دعم يهود أمريكا رصيدا استراتيجيا بالغ الأهمية. وصفه البعض بأنه موردٌ أنعم به خالق الكون على إسرائيل لموازنة ثروات الطاقة الهائلة الكامنة في أراضي الدول العربية المحيطة بها، وأنه يتعين على إسرائيل توخي الحذر الشديد في هذا السياق.
لم يتحقق تحوّل النفوذ اليهودي إلى علاقات وثيقة حقيقية بين إسرائيل والولايات المتحدة بين عشية وضحاها. فعلى الرغم من تصريحات هاري ترومان حول عمق الروابط بين البلدين، إلا أن العلاقات الإسرائيلية الأمريكية، منذ اعترافه بدولة إسرائيل رغم معارضة وزارة الخارجية الأمريكية، شهدت تقلبات أكثر من توترات. بدأت هذه التقلبات بحظر أسلحة فُرض خلال إدارة ترومان على 600 ألف يهودي في فلسطين، كان العديد منهم لا يزالون على قيد الحياة من المحرقة، والذين كانوا يقاتلون ضد سبع دول عربية هددت بإلقائهم في البحر. ثم جاء الإنذار التالي من خليفة ترومان الديمقراطي، الرئيس الجمهوري دوايت أيزنهاور، بالانسحاب من سيناء حتى آخر شبر وتفكيك “مملكة إسرائيل الثالثة” التي أعلنها ديفيد بن غوريون. وتبع ذلك دعوة بن غوريون، عبر موظفي البيت الأبيض، للقاء الرئيس جون كينيدي، الذي خلف أيزنهاور. طُلب من رئيس الوزراء السماح للمفتشين بدخول مصنع نسيج في ديمونا. وهو مطلب يعتقد كثيرون أنه أدى إلى استقالته من منصب رئيس الوزراء بعد ذلك بفترة وجيزة.
مُهِّدت أرضية تحوّل العلاقات خلال فترة رئاسة ليندون جونسون، الرئيس الديمقراطي الذي خلف كينيدي بعد اغتياله. ويعود الفضل في ذلك إلى ليفي إشكول، خليفة بن غوريون، الذي بنى علاقة ثقة وصداقة مع جونسون، حتى أنه توصل معه إلى تفاهم دقيق ومدروس بشأن تحفظات كينيدي حول مصنع النسيج. لكن التقارب تعزز وتحوّل إلى تحالف وثيق بعد الانتصار في حرب الأيام الستة، ما جعل إسرائيل تتوقف عن الظهور كدولة ضعيفة تعتمد على الآخرين، وبدأت في ترسيخ مكانتها كأصل استراتيجي.
كان الجمهوريون هم من أسس هذه العلاقة القائمة على التعاون الاستراتيجي. وعلى عكس الديمقراطيين، الذين استندت معارضتهم للدولة اليهودية إلى التعاطف والقيم والرحمة، انطلق الجمهوريون – الذين نشأ بعضهم في بيئة معادية للسامية – من قناعة بأن إسرائيل تخدم مصالح الولايات المتحدة وتُعدّ أصلاً استراتيجياً للغرب. كان ريتشارد نيكسون، هو من قاد هذا النهج وأرسى دعائمه.
كانت اللحظة الحاسمة التي رمزت إلى عهد جديد في العلاقات، هي غزو الجيش السوري للأردن عقب تحرك الملك حسين ضد منظمة التحرير الفلسطينية. شاهد العالم أجمع صورة مستشار الأمن القومي آنذاك، هنري كيسنجر، والسفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة، يتسحاك رابين، وهما يقفان جنبا إلى جنب محاطين بخرائط عسكرية، يقودان معا دبابات الجيش الإسرائيلي على طول الحدود مع الأردن، ولم يتوقفا عن مهمتهما حتى استوعبت الدبابات السورية الإشارة وعادت أدراجها. ومنذ ذلك الحين، أصبحت العلاقات الإسرائيلية الأمريكية والدعم الحزبي لإسرائيل ركيزة أساسية في العقيدة السياسية للديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط. وما بدأ بتصريحات على أعلى المستويات السياسية، امتد ليشمل جميع مستويات التعاون في المجالات العسكرية والسياسية والاقتصادية.
لكن، اتضح مؤخرا أن الأسس التي بدت عميقة وراسخة، بدأت تتداعى، وأن العرف الذي كان يُعتبر راسخا لا يتزعزع، بات قائما على أسسٍ واهية. يلوح في الأفق تراجع داخل الحزب الديمقراطي، وحتى بين الجمهوريين الشباب، ولم تعد إسرائيل تحظى بتعاطفٍ راسخ. كان على من لديهم حساسية تجاه التيارات الخفية أن يدقوا ناقوس الخطر قبل أن تظهر بذور الانهيار، وأن يواصلوا الضغط حتى يتم إعداد ردٍّ حقيقي. مع ذلك، ما زلنا نتمتع بنفوذٍ قوي بين العناصر المؤثرة، وهو ما يكفي لتمكيننا، إذا ما استعدنا وعينا ونظّمنا أنفسنا، من إصلاح الضرر تدريجيا. لكن الشفاء يتطلب تشخيصا.
يجب أن نفهم أن التغيير نحو الأسوأ ليس صدفة. إنها حملة مُنظمة ومُخططة من قِبَل عدو مُصمم وموهوب وصبور، يعمل ببراعةٍ وصبر لتقويض ما يعتبره دعما ثابتا لدولة إسرائيل. هذا العدو يتواجد في قطر، وهو صديقنا عزمي بشارة، العضو السابق في الكنيست، والمرشح لرئاسة وزراء إسرائيل، والذي كان آنذاك شخصية بارزة في اليمين، ووصف ترشحه للرئاسة بأنه جدير بالاهتمام ومرغوب فيه.
أسس بشارة، إمبراطورية في قطر تضم معاهد ومراكز أبحاث، تُستخدم عمليا كمقر لتقويض مكانة إسرائيل في العالم الحر عموما، وفي الولايات المتحدة خصوصا. يُعدّ بشارة، العضو السابق في الكنيست، عدوا أشدّ خطورة من أردوغان وخامنئي. بتمويل سخي من قطر، حفر بشارة شبكة من الأنفاق في الرأي العام في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، وهي شبكة أشد خطورة على إسرائيل من أنفاق حماس.
تشخيص المرض خطوة ضرورية على طريق الشفاء. وتراجع الدعم الأمريكي لإسرائيل ليس قضاءً وقدرا، ولا ظاهرة طبيعية. عندما يتعلق الأمر بشعب إسرائيل، وعندما يكون الأمر في غاية الأهمية، كان يعرف كيف يتعامل مع الصعوبات التي بدت مُستعصية في البداية.
لقد حان الوقت لشنّ حرب لا هوادة فيها على الرأي العام، ولحشد المنظمات اليهودية، وأصدقاءنا الإنجيليين، وخبراء وسائل التواصل الاجتماعي لخوض المعركة المصيرية على الرأي العام، والتي لا تقلّ أهمية عن حرب وجودنا.
