موقع “زمان إسرائيل” لماذا يُعتبر نتنياهو عقلانيا بطريقته الخاصة والدولة تدفع عوضا عنه..؟

رصد الاعلام العبري: 22 / 7
د. عوزي عيران
اتخذ رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، قرارات كانت في معظمها غير عقلانية، وكانت متأثرة بشخصيته، وأهدافه الشاملة، وإدراكه للخسارة. فما الذي يدفع رئيس وزراء، بنى حياته السياسية بأكملها على أنه “سيّد الأمن”، إلى سن قوانين تضر بالجيش..؟
مرّر نتنياهو مؤخرا تشريعات تضر بشدة بالجيش الإسرائيلي وأفراده، بلغت ذروتها في القانون الأساسي لطلاب التوراة، الذي يمنح الإعفاء من التجنيد صفة دستورية، وقانون التهرب، الذي يُلغي عقد التجنيد أثناء الحرب. ليس هذا فحسب، بل إن نتنياهو نفسه، الذي بنى هويته المهنية عندما كان وزيرا للمالية على أساس المحافظة المالية، بما في ذلك التخفيضات الحادة في الإعانات، وافق على مليارات الدولارات من التحويلات إلى المعاهد الدينية اليهودية (يشيفا) والكوليلات، ودعم الأسر الحريدية. هذا الإنفاق ليس محركا للنمو، بل هو نقيضه تماما. فهو يضر بالقاعدة الاقتصادية التي ادعى نتنياهو، كوزير للمالية، حمايتها.
من الخارج، تبدو هذه التحركات الحكومية غير منطقية، أي انحرافا عن كل ما يمثله نتنياهو. لكن قرارات نتنياهو، منطقية تماما من وجهة نظره. إنها ببساطة غير منطقية مقارنةً بما نتوقعه من رئيس وزراء.
لقد علّمنا هربرت سيمون، الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، درسا بسيطًا: لا يمكنك تقييم ما إذا كان القرار منطقيا أم لا دون معرفة ما الذي يحاول صانع القرار تحقيقه فعلا. فما يبدو غير منطقي غالبا ما يعني وجود فجوة بين الهدف الذي ينسبه المراقب إلى صانع القرار، والهدف الذي يسعى صانع القرار إلى تحقيقه فعليا. وهذا، هو مفتاح فهم تحركات نتنياهو. فالانتقادات الموجهة إليه – “أنت تضر بالجيش”، “أنت تُنفّر الناخبين”، “أنت تقوّض الإجماع” – تفترض أنه يحاول تحقيق أقصى فائدة للدولة والجيش. لكن الهدف الذي يسعى إليه حقا مختلف تماما: البقاء الشخصي، والسلطة، والإفلات من السجن، وتأكيد هوية “القائد.”، وبمجرد استبدال الهدف المنسوب بالهدف الحقيقي، تصبح القرارات التي تبدو غير منطقية متسقة تماما.
إذا حكمنا على نتنياهو وفقا لنظرية كانيمان وتفيرسكي في القيمة، التي تنص على أن موقف الشخص من المخاطرة يعتمد على ما إذا كان يرى نفسه في وضع ربح أو خسارة، فيمكننا تفسير دوافع نتنياهو بأنها عقلانية. ففي وضع الربح، يتجنب المخاطرة ويفضل اليقين. أمّا في وضع الخسارة، فيسعى وراء المخاطرة، ويكون مُستعدا للمراهنة بمبلغ كبير، شريطة أن يتجنب تكبد الخسارة. يشعر الشخص في وضع الخسارة بتهديد وجودي، وليس مجرد مواجهة لنتيجة كميّة غير ناجحة. ولهذا السبب، يحق له المقامرة. فالمراهنة ليست مجرد محاولة لتغيير النتيجة، بل محاولة للهروب من الشعور بالخسارة.
نتنياهو في عام ٢٠٢٦، في وضعٍ حرجٍ للغاية: محاكمته الجنائية جارية، ولجان التحقيق تطرق بابه، وائتلافه يعتمد على صوت المتشددين الأرثوذكس المتردد، وكل ذلك يدفعه إلى التساؤل “ماذا سأخسر..؟” بدلاً من “ماذا سأربح..؟.” وفي هذه الحالة النفسية من الخسارة، يهمس له “المنطق” الداخلي: استمر في المُقامرة، أجّل إدراك الخسارة، لا تدع شعور الفشل يتملكك.
أوضحت روز ماكديرموت (١٩٩٨) في كتابها عن المخاطرة في السياسة الدولية، أن القادة في وضعٍ حرجٍ، يستمرون في خسارة الحروب، ويُصعّدونها تحديداً عندما يكون التراجع هو الخيار الأفضل، ويتمسكون بسياسات تُخالف نصائح مستشاريهم. والجملة التي تُلخص بها هذا النمط من السلوك تُناسب تماماً وضع نتنياهو: “اليائسون يفعلون أشياءً يائسة.”، و الساحة السياسية مكانٌ يكون فيه أثر الخسارة مؤلماً للغاية، إذ لا يُقاس ثمن الخسارة بالنسبة للقائد بالمال فحسب، بل بالهوية والسلطة والخيارات الشخصية. وعندما يكون ثمن الخسارة باهظاً، تصبح الرهانات جريئة.
لا يحدث الرهان السياسي في فراغ، بل يحتاج إلى مؤيدين يظلون أوفياء له رغم ثمنه الباهظ. وهنا يبرز الدرس الذي تعلّمه نتنياهو من آرثر فينكلشتاين، مستشاره لسنوات طويلة: من أجل كسب قاعدة شعبية، تُحوّل المصالح إلى خطابٍ حول القِيَم والهوية والعاطفة. وهكذا، تتستر أهم التحركات بلغة القداسة. فقانون التهرب الضريبي والمليارات المخصصة للمدارس الدينية اليهودية لا تُعرض على مؤيدي نتنياهو كاتفاق ائتلافي مع الحريديم، بل كحماية لـ”عالم التوراة”، و”علماء التوراة الذين يحمون شعب إسرائيل كما يحمي الجنود”، أي كركيزة روحية للهوية اليهودية. أما الحريديم، الذين يحركهم دافع اقتصادي في المقام الأول، فهم بارعون في استخدام هذه اللغة.
وهكذا، يُقدم نتنياهو ما هو، من وجهة نظره، مقامرة للبقاء. وهذه الخطوة ليست مجرد سياسة، بل تعكس حساسية نفسية عميقة للآلية التي كشف عنها كانيمان وتفيرسكي: فكما يحتاج الزعيم نفسه إلى الشعور بأنه “لم يخسر بعد” ليواصل المقامرة والمجازفة غير المحسوبة، يحتاج مؤيدوه أيضاً إلى سردية تخفي عنهم حقيقة أنهم هم من يدفعون ثمن هذه المقامرة.
نتنياهو في منطقة الخسارة: إذا جمعنا هذه الحجج، نرى أن هدف نتنياهو الأسمى هو البقاء. مرجعيته ليست “ماذا سأربح..؟” بل “ماذا سأخسر..؟”. فهو مستعد للتخلي حتى عن أعضاء الكنيست المخضرمين في الليكود لصالح وجوه جديدة، الأمر الذي قد يُزعزع قاعدته الشعبية الأقوى، وهذه كلها خيارات عقلانية لشخص في منطقة الخسارة. تكون قراراته، عقلانية من الداخل، من منظور شخص يائس من النجاة من خسارة مُحققة. وهذا ما يجعلها خطيرة على مستقبل الدولة.
ثلاثة استنتاجات وفكرة حول إسرائيل 2026: الاستنتاج العام: قبل الجزم بأن قرارات أي قائد غير عقلانية، لا بد من دراسة ما إذا كانت وجهة نظره بشأن ما قد يخسره قد تغيرت. فالقادة الذين كانوا حذرين حين شعروا بالنصر، أصبحوا مغامرين حين شعروا بالهزيمة، ليس بسبب تغيّر في شخصياتهم، بل بسبب تغير في طريقة تفكيرهم. الاستنتاج المنهجي: إن النقد العقلاني الموجه لنتنياهو، والذي يُقال إنه يضر بالجيش، ويُنفّر الناخبين، ويقوّض الإجماع، هو نقدٌ خاطئ. فهو يتحدث عنه بلغة أهداف لا تمثل أهدافه. إنه يتعلق بقائد يسعى لرفاهية الأمة، بينما نراه أمامنا قائداً يسعى للبقاء الشخصي في بيئة خاسرة.
الاستنتاج العاجل: إذا كان هذا هو التشخيص، فثمة أمران مطلوبان: أولاً، لا يوجد ما يدعو إلى توقع التزام نتنياهو برأي يخدم الدولة. فعقلانيته تخدم هدفاً مختلفاً عن هدف الدولة.
ثانيا، الآلية الوحيدة القادرة على تغيير الوضع هي تلك التي تُغيّر منظوره: محكمة تُخرج مصيره من بين يديه، أو أزمة ائتلافية تُقوّض قاعدته الشعبية، أو حركة شعبية تُولّد ضغطا جماهيريا واسعا يشمل مؤيديه. كل هذه العوامل قد تُزيد من التكلفة الشخصية للمقامرة في نظره. فبدون تغيير في مفهوم الخسارة، يُغيّر منظوره، لن تتوقف المقامرة. وكل مقامرة إضافية من قِبل قائد في مجال الخسارة تُعدّ أكثر خطورة من سابقتها. وطالما لم يتغير مفهومه للخسارة، ستستمر الدولة في دفع الثمن نيابةً عنه.


