سقوط «اتفاق 26 حزيران» الملغّم في أول اختبار للنوايا «الإسرائيلية»

حسن حردان
في اول اختبار لاتفاق 26 حزيران الإطاري الهش في جنوب لبنان، انكشفت سريعاً النيات “الإسرائيلية” الخفية لـ “الاتفاق”. فبينما كان الترويج لخرق دبلوماسي عبر ما يُسمّى “المناطق التجريبية” (مثل زوطر الغربية وفرون)، جاءت تصريحات رئيس حكومة الاحتلال “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو لتنسف هذه السردية من أساسها، مؤكداً بفظاظة سياسية أنّ جيشه المحتلّ لم يتراجع “ولو مليمتراً واحداً”، وموضحاً أنّ الاختيار وقع على مناطق لم يكن فيها جيش الاحتلال أصلاً أو جرى التلاعب بجغرافيتها العسكرية. وتتكامل هذه الصدمة السياسية مع التقارير الميدانية وبيان الجيش اللبناني، الذي وثق استمرار التدمير الممنهج والنيران “الإسرائيلية” المباشرة التي تستهدف حتى وحداته المنتشرة حديثاً، لتضع البلاد والجيش أمام مشهد بالغ التعقيد.
أولاً: انكشاف خديعة
الاتفاق الملغم في أول اختبار
سقوط خديعة “المناطق التجريبية”: أثبتت الوقائع أنّ “المناطق التجريبية” لم تكن سوى إخراج مسرحي وهندسة سياسية تهدف إلى منح واشنطن “إنجازاً وهمياً”، بينما تحتفظ “إسرائيل” بالسيطرة النارية والاستراتيجية التامة. الاعتراف “الإسرائيلي” بعدم وجود قوات سابقة في تلك النقاط يفسّر طبيعة “الانسحاب الوهمي”؛ إذ أُعطي لبنان حق الانتشار في أراضٍ مدمّرة وخالية أساساً، تحت السيطرة المطلقة لتلال الاحتلال المجاورة.
فخ “الاتفاق الملغم”: تشير المعطيات إلى أنّ لبنان وقع في فخ صيغة إطارية بالغة الخطورة جرى تسويقها باعتبارها ممرّاً للسيادة والعودة، بينما صُمّمت “إسرائيلياً” لتكون “شركاً أمنياً”. الاتفاق خلا من أيّ جداول زمنية واضحة للانسحاب الشامل، وربط سيادة لبنان وحق عودة أهاليه بتحقيق الشروط الإسرائيلية التعجيزية (وعلى رأسها تفكيك بنى المقاومة)، مما حوّل الاتفاق إلى “غطاء شرعي” لاستمرار الاحتلال بصيغ جديدة وأقلّ كلفة على تل أبيب.
زجّ الجيش اللبناني في معترك غير متكافئ: يعكس بيان الجيش اللبناني حالة الاستنزاف الميداني التي يُراد للمؤسسة العسكرية أن تخوضها؛ فهي تُطالب بالانتشار وفرض الأمن في مناطق تُقابل بالنيران الحية، والتجريف، وتدمير البنية التحتية (كمشروع مياه الليطاني في مركبا)، واستهداف محيط نقاط التمركز. إنّ هذا الأسلوب الإسرائيلي يهدف إلى إحراج االجيش، وإفشال انتشاره، وإبقاء الجنوب رهينة الابتزاز الأمني المستمر.
ثانياً: الآفاق المتوقعة
1 ـ انهيار متدرّج لمسار “الإطار”: في ظلّ تمسك نتنياهو برفض الانسحاب الشامل واشتراطه نزع السلاح الكامل كشرط مسبق لأيّ تراجع حقيقي، فإنّ صيغة “المناطق التجريبية” مرشحة للجمود أو الانهيار الكامل، حيث سيتعذّر على الجيش اللبناني الاستمرار في عملية انتشار تحت النار ودون أفق سيادي واضح.
2 ـ تصاعد التوتر الميداني: مع فشل الرهانات الدبلوماسية واكتشاف زيف الوعود المرتبطة بالاتفاق الإطاري، يرجح أن يعود الميدان الجنوبي إلى مربعات التوتر العالي، خصوصاً مع استحالة عودة الأهالي إلى قراهم المدمرة وسط استمرار الخروقات والاعتداءات الإسرائيلية المنهجية.
3 ـ أزمة ثقة داخلية: ستواجه السلطة السياسية ضغوطاً متزايدة وحالة إحراج شعبي ووطني جراء الركون إلى مسار تفاوضي ثبت أنه جرى هندسته لخدمة الأجندة الإسرائيلية البحتة، مما يعمّق أزمة الثقة بين الشارع اللبناني والمسارات الدبلوماسية المرتهنة للضغوط الغربية…

