حرب الاستنزاف المركّبة حتى الانتخابات: من يملك النفس الطويل بين واشنطن وطهران؟

حسن حردان
هل باتت المواجهة بين أميركا وإيران تتجه نحو مزيد من التصعيد في حرب الاستنزاف بين سياسة الضغط الترامبي عبر تشديد الحصار والعقوبات رهاناً على خلخلة الجبهة الداخلية الإيرانية، وبين استراتيجية الصمود والصبر الاستراتيجي الإيرانية الممسكة بورقة هرمز عبر مواصلة إغلاقه للضغط على الداخل الأميركي بواسطة ارتفاع أسعار النفط والسلع والمواد الأساسية، وبالتالي هل نشهد مرحلة من حرب استتزاف متصاعدة بانتظار نتائج الانتخابات النصفية الأميركية التي ستحدد في ضوئها اتجاه السياسة الأميركية في المواجهة مع إيران؟
نحن بالفعل أمام سيناريو “حرب استنزاف مركبة” تتداخل فيها الحسابات الاقتصادية والسياسية مع الاستحقاقات الانتخابية الكبرى.
أولاً: استراتيجية الضغط الأميركي:
الرهان على التآكل الداخلي
الضغط الأقصى والحصار البحري: تراهن الإدارة الأميركية على أن تشديد الخنق الاقتصادي ومواصلة حظر الموانئ الإفراج عن النفط الإيراني سيؤديان تدريجياً إلى تآكل الجبهة الداخلية في إيران وتصاعد الاحتجاجات المعيشية الضاغطة على النظام.
محاولات كسر السيطرة الإيرانية في هرمز: في المقابل، تحاول واشنطن إضعاف الورقة الإيرانية في مضيق هرمز من خلال تأمين مسارات بديلة (مثل المسار البحري قرب السواحل العُمانية، والذي تجازف بعض الناقلات في العبور منه تحت الحماية العسكرية الأميركية) للحد من قدرة طهران على تعطيل الإمدادات بالكامل.
ثانياً: استخدام ورقة هرمز
للضغط على الداخل الأميركي
ربط المسارات بالشروط الصارمة: تتمسك طهران بموقفها القاضي بأنّ فتح المضيق بالكامل وتجاوز حالة الجمود مرتهنان بتنفيذ شروط الاتفاق السابق، وتحديداً رفع الحصار، وقف العقوبات النفطية، والإفراج عن الأرصدة المجمّدة.
ورقة الأسعار والتضخم: تدرك القيادة الإيرانية أنّ أيّ تعطل مستدام في الممر الحيوي يلقي بظلاله الثقيلة على أسواق الطاقة العالمية، وينعكس ارتفاعاً في أسعار الوقود والسلع الأساسية داخل الأسواق الغربية والأميركية نفسها، مما يمثل أداة ضغط تكتيكية لتقويض شعبية الإدارة الحالية.
ثالثاً: الانتخابات النصفية
كـ “مفترق طرق”
عامل الوقت وضغط الشارع الأميركي: تمثل الانتخابات النصفية للكونغرس المقررة في تشرين الأول المقبل توقيتاً سياسياً بالغ الحساسية للبيت الأبيض. فاستمرار التضخم وارتفاع أسعار النفط والسلع يمنحان المعارضة الديمقراطية ورقة قوية لمهاجمة السياسات الخارجية للإدارة.. وهو ما عكسه تصريح الرئيس السابق باراك أوباما في تقويض ركائز ومبرّرات سياسة ترامب في شنّ الحرب على إيران.
تجميد الحلول الكبرى: لهذا السبب، تسود حالة من الترقب الشديد في الدوائر السياسية؛ حيث يفضل الطرفان إدارة الصراع على حافة الهاوية (حالة اللا سلم واللا حرب)، بانتظار ما ستسفر عنه صناديق الاقتراع النصفية التي يُعتقد أنها ستعيد رسم ملامح وتوجهات السياسة الأميركية المقبلة، سواء نحو تشديد التصعيد أو البحث عن تسوية مغايرة.
انطلاقاً مما تقدّم، من الواضح أننا أمام مرحلة من اشتداد حرب الاستنزاف بين طهران وواشنطن ينتصر فيها من يملك النفس الطويل وقدرة التحمّل:
*واشنطن تعتمد على تفوقها المالي والعسكري لفرض طوق بحري محكم يهدف إلى خنق الإيرادات النفطية وتأليب الجبهة الداخلية الإيرانية ضدّ نظام الجمهورية الاسلامية، ومع ذلك، تواجه هذه الاستراتيجية تكلفة سياسية واقتصادية باهظة؛ فاستمرار تعطل شريان الطاقة يغذي موجات التضخم ويرفع أسعار الوقود محلياً، مما يمنح المعارضة ورقة ضغط قوية مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية النصفية التي ترسم ملامح التوجهات المستقبلية للسياسة الخارجية للبيت الأبيض.
*في المقابل، تراهن طهران على قدرتها التاريخية على التكيّف مع العقوبات القاسية، مستفيدة من ورقة التحكم في مضيق هرمز ومسارات الملاحة لإحداث صدمات دورية في أسواق الطاقة العالمية. تقرأ القيادة الإيرانية الخارطة السياسية الأميركية على أنّ الإدارة الحالية تتحاشى الانزلاق إلى مواجهة عسكرية واسعة ومكلفة قبيل الانتخابات، مما يعزز رهانها على كسب الوقت واستنزاف الإرادة السياسية لادارة ترامب.
من هنا، دخلت المواجهة مرحلة جديدة من صراع الإرادات وعض الأصابع القاسي الى موعد الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة الأميركية وتبيان نتائجها لتتحدّد بناء عليها آفاق المواجهة.

