الصحف

ساعة الانتظار السعودية تقترب من النفاد

 

د. يوئيل غوزانسكي:

خبير في شؤون دول الخليج وباحث أول في معهد دراسات الأمن القومي بجامعة تل أبيب.
جعل دونالد ترامب، الوقت عنصرا أساسيا في استراتيجيته ضد إيران: فكلما طال أمد الحرب والضغط الاقتصادي، كلما تضاءلت موارد طهران، واشتدّ الضغط الداخلي عليها، واضطرت إلى تقديم تنازلات. ففي صراع البقاء بين أقوى قوة في العالم وإيران الخاضعة للعقوبات وأضرار الحرب، يُفترض أن يصبّ الوقت في مصلحة واشنطن.
قد يكون ترامب مُحقا بشأن إيران. لكن الحرب ليست بين البلدين فقط، بل هناك حلفاء واشنطن في الخليج، بقيادة السعودية، التي لديها توقيت مختلف. فكل يوم إضافي من الحرب يعني مخاطر إضافية على موانئها ومنشآتها النفطية وبنيتها التحتية واستثماراتها، وعلى خطتها الاقتصادية التي يقوم عليها مستقبلها. وإذا كان ترامب يريد الانتظار حتى تنفد الساعة الرملية الإيرانية، فعليه أن يفكر في احتمال آخر: قد تنفد الساعة الرملية السعودية أولا.
تجد السعودية نفسها محاصرة بين نقطتي الاختناق البحريتين المهمتين لاقتصادها. إلى الشرق يقع مضيق هرمز، حيث أثّرت الحرب على الملاحة والصادرات السعودية. وقد تمكنت المملكة من الحد من الأضرار باستخدام خط أنابيب الشرق والغرب، الذي ينقل النفط من الحقول الشرقية إلى ينبع على ساحل البحر الأحمر. لكن البديل الغربي أصبح هو الآخر عرضة للخطر، بعد أن أعلن الحوثيون فرض حصار بحري على السعودية وهددوا حركة الملاحة عبر مضيق باب المندب، مما خلق فخاً استراتيجياً للرياض: بات مضيق هرمز مهدداً من الشرق، ومضيق باب المندب مهدداً من الجنوب الغربي. والبحر الأحمر، الذي كان يُفترض أن يكون بديلاً آمناً نسبياً، أصبح جبهة جديدة. وبالنسبة للرياض، فإن استمرار الحرب ليس مجرد تمرين نظري لاستنزاف إيران، بل يزيد من احتمال أن تدفع المملكة نفسها الثمن.
التحوّط السعودي: لا ترغب السعودية في انتصار إيران. فهي تخشى صواريخ إيران وطائراتها المسيّرة، واحتمال فرض طهران نظاما أمنيا إقليميا جديدا. مع ذلك، ونظرا لهشاشتها، فإن مصالحها تختلف عن مصالح الولايات المتحدة. فإذا كان الخيار بين دعم استراتيجية ترامب، التي لا يزال نجاحها غير واضح، وبين تفاهمات جزئية مع طهران من شأنها تقليل المخاطر التي تواجه المملكة، فإن الحافز لاختيار الخيار الثاني يتزايد.
لا يعني هذا أن السعودية ستغيّر موقفها. بإمكانها الاستمرار في اعتبار الولايات المتحدة شريكها الأمني الرئيسي، مع تخفيف ضعفها في الوقت نفسه من خلال الحوار مع إيران. فمن الناحية الاستراتيجية، يتعلق الأمر بالتحوّط: الحفاظ على التحالف مع الولايات المتحدة، مع إنشاء آليات تكميلية لمواجهة الخصم.
تواجه كل دول الخليج الأخرى معضلة مماثلة. فالإمارات العربية المتحدة، التي تبنت في بداية الحرب سياسة متشددة تجاه إيران، وافقت، بحسب التقارير، على السماح بالإفراج عن مليارات الدولارات من المساعدات لإيران. تُجسّد هذه الحلقة الثمن الذي قد تكون دول الخليج مستعدة لدفعه مقابل خفض التصعيد.
والأهم من ذلك هو التطورات في عُمان. إذ تشير التقارير إلى اقتراب مسقط وطهران من التوصل إلى اتفاق بشأن حركة الملاحة في مضيق هرمز، الأمر الذي يُثير استياء واشنطن. بالنسبة للسعودية ودول الخليج الأخرى، قد يُصبح هذا الاتفاق مخرجا سريعا. فإذا أعاد الاتفاق العُماني الإيراني بعض الاستقرار إلى مضيق هرمز، وتم التوصل في الوقت نفسه إلى تفاهمات تُخفف من ضغط الحوثيين في البحر الأحمر، فسيكون من الصعب على الرياض تجاهله لمجرد أنه لا يتوافق مع الاستراتيجية الأمريكية. فكلما ارتفع ثمن الانتظار، ارتفعت قيمة التسوية الجزئية.
إلى متى تستطيع دول الخليج تحمّل الانتظار..؟ هنا يُمكن لإيران تحقيق مكسب استراتيجي. ليس المطلوب أن تجعل السعودية حليفا لها أو أن تقطع علاقاتها مع واشنطن. يكفي أن تكون مخاوف الرياض من استمرار الحرب، أكبر من مخاوفها من التوصل إلى حل وسط مع طهران. يوجد بالفعل دعم في الخليج العربي للترتيبات الإقليمية وفتح قنوات اتصال مستقلة مع إيران، وفي هذه الحالة قد تجد الولايات المتحدة أن الترتيب الإقليمي بدأ يتشكل من دونها.
هنا تكمن بالفعل مفارقة استراتيجية ترامب الزمنية: كلّما انتظر حتى تضعف إيران، كلما بدأ حلفاؤه الخليجيون في البحث عن حلولهم الخاصة. وبالتالي، بإمكان إيران أن تحوّل الوقت من مورد أمريكي إلى مورد إيراني، من خلال ممارسة الضغط في مضيق هرمز، وتهديد الحوثيين في البحر الأحمر، وإظهار ضعف دول الخليج. لذا، فإن السؤال الذي يجب أن يطرحه ترامب ليس فقط إلى متى يمكن لإيران الصمود، بل إلى متى ستكون دول الخليج مستعدة للانتظار.
أحد أسباب فشل الولايات المتحدة في تحقيق أهدافها الحربية هو فشلها في فهم ضعف دول الخليج وقدرة إيران على استغلالها كورقة ضغط. يمكن لواشنطن أن تفكر في أشهر من الضغط الإضافي. أما الرياض، فعليها أن تفكر في ناقلة النفط التالية، والهجوم التالي، والاستثمار التالي، واحتمال فتح جبهة جديدة على أراضيها.
يراهن ترامب على أن الوقت المتاح لإيران سينفد أولاً. لكن، لا بالنسبة لإيران، لا ينبغي بالضرورة أن تفوز في هذا السباق، بل يكفيها أن تضمن أن حلفاء الولايات المتحدة لن ينتظروا النتيجة. ومن بين جميع الأوقات المتاحة في هذه الحرب، ربما يكون الوقت المتاح للسعودية هو الأسرع نفادا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى