الصحف

المسألة ليست مطار ولا سوريا: هذه هي الخطوة الكبرى التي يُحيكها أردوغان حول إسرائيل

رصد الاعلام الإسرائيلي
صحيفة معاريف:
يسرائيل زيف
يُمثّل الهجوم على سوريا مشكلة استراتيجية أكبر بكثير من مجرد الاعتقاد السائد – منع تركيا من وضع يده على هذا المطار أو ذاك. يمكن تدمير مدارج الطائرات، ويمكن إعادة بنائها أيضا. ما يحدث هو تغيير في بنية المنطقة بأكملها.
تستغل تركيا التغيرات الجارية في المنطقة بشكل جيد. أولا، ضعف المحور الإيراني، الذي خلّف فراغا لن يسمح أحد ببقائه فارغا، والفخ الأمريكي لإيران، ومشكلة ثقة واشنطن بنتنياهو، والأزمة في غزة، والعداء الواسع النطاق تجاه نتنياهو في العالم العربي. أردوغان يقرأ هذه الخريطة أفضل منّا. ففي الأسابيع الأخيرة، وقّع أردوغان اتفاقية الدفاع الثلاثية مع السعودية وباكستان.
لكن الاتفاقية ليست هي الغاية، بل هي الوسيلة. الهدف هو استبدال الحلقة الشيعية المتداعية بحلقة سنّية تُحيط بإسرائيل، مدعومة بالمال السعودي، والصناعات العسكرية التركية، والغطاء النووي الباكستاني. يسعى أردوغان إلى ضم مصر إليها، وقد رسّخ بالفعل وجوده في غزة، ويُرسّخ وقائع جديدة في سوريا. وإسرائيل، بالنسبة له، ليست غاية في حد ذاتها، بل هي الوسيلة: الوسيلة لقيادة جامعة الدول العربية والعالم الإسلامي تحت قيادته.
التوسع التدريجي في سوريا مُتعمّد. نشر أنظمة الدفاع الجوي والرادارات في المطارات السورية، ليس لحماية سوريا تحت قيادة الشرع، بل للحدّ من حرية عمل سلاح الجو الإسرائيلي، وهي الميزة الاستراتيجية الوحيدة التي لا تزال في أيدينا دون منازع تقريبا. فمن يسيطر على سماء سوريا يسيطر أيضا على الوصول إلى لبنان والعراق وما وراءهما. هذا ليس صراعا على منشأة، بل هو صراع على الفضاء.
الساحة السورية ليست بمعزل عن غيرها. ففي غزة، تسعى أنقرة إلى ترسيخ مكانتها في جميع آليات المستقبل – القوة، والإشراف، وإعادة الإعمار – وفي كل منها تنسب لنفسها صفة المتحدث باسم الفلسطينيين في مواجهة إسرائيل. وفي القاهرة، تسعى إلى شراكة تُحيّد تحفظات مصر التاريخية تجاه الطموح العثماني. وفي كلا الميدانين، الهدف واحد: تحويل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني من مصلحة أمريكية إلى مصلحة تركية.
لذلك، ورغم أن نتنياهو يعاني من انعدام ثقة عميق في قراراته – خاصة مع اقتراب الانتخابات – فإن هجوما قرب الحدود التركية، مُبرر. هناك لحظات يجب فيها رسم الخط وهو في بدايته، وليس بعد أن يترسخ على أرض الواقع. ولكن لماذا..؟ الفشل السياسي لثلاث سنوات من الحرب التي لا تنتهي، واستمرار حكم حماس في غزة، وغياب أي حل سياسي. كل ذلك هيأ الأرض الخصبة للصخب التركي على إسرائيل. أنقرة لا تملأ فراغاً خلقته بنفسها، بل تملأ فراغاً خلقناه نحن.
هنا تكمن النقطة الأساسية: إنشاء مثل هذا المحور يُشكل خطراً استراتيجياً أكبر بكثير من المحور الإيراني. كان المحور الإيراني معزولاً تماماً، وكان من السهل تبرير العمل ضده. أما المحور الناشئ فهو عضو في حلف الناتو، وشريك تجاري رئيسي لأوروبا، ويتمتع بشرعية كاملة في العالم العربي، ويمتلك اقتصاداً متقدماً وصناعة دفاعية متطورة، ولا يحمل وصمة الإرهاب الشيعي.
كان بإمكاننا حشد تحالف ضد إيران، أما ضد تركيا، فنجد أنه تم حشد التحالف ضدنا. لن تُغير الضربات في سوريا هذا التوازن، فهي تُكسبنا الوقت، وحتى هذا الأمر مشكوك فيه. إننا نخاطر بمواجهة مع جيش الناتو كي نؤجل لعدة أشهر عملية استغرقت عدة سنوات.
ما نحتاجه هو سياسة إقليمية مختلفة: اتفاق في غزة يُنهي حكم حماس ويخلق أفقاً سياسياً، وتجديد التحالف العملي مع مصر والأردن، وتعميق المحورين اليوناني القبرصي والهندي. وقبل كل شيء، العودة إلى اللعبة السياسية التي غبنا عنها لثلاث سنوات. هذه الحكومة عاجزة عن ذلك، ليس لجهلها، بل لأنها أسيرة نفسها، أسيرة الائتلاف الذي تعتمد عليه، وسجينة تجنبها أي قرار ذي تبعات سياسية، وسجينة فقدانها للثقة محلياً ودولياً. السياسة الإقليمية تحتاج لشركاء يؤمنون بوجود من يمكن الحوار معه. ولن يتحقق التغيير إلا بعد رحيل هذه الحكومة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى