Uncategorized

العقوبات مُدمِّرة والقوة حاسمة: هكذا تسقط الأنظمة

رصد الاعلام الإسرائيلي
القناة 14:

 

د. إيدي كوهين

الدعاية الأمريكية التي تزعم إمكانية إسقاط أي نظام من خلال المقاطعة والعقوبات و”الغزو الاقتصادي”، لا تتوافق مع التجربة التاريخية للشرق الأوسط. لم يسقط بشار الأسد لأن العقوبات الأوروبية والأمريكية “نجحت”. ولم يسقط بسبب تجميد البنوك للحسابات، أو حظر صادرات النفط، أو لأن سوريا عاشت سنوات في عزلة اقتصادية. سقط في ديسمبر/كانون الأول 2024، عندما تقدمت قوات هيئة تحرير الشام، بقيادة أبو محمد الجولاني (أحمد الشرع حاليا)، نحو دمشق دون مقاومة تُذكر، وتفكك الجيش السوري.
كذلك، لم يسقط صدام حسين في عام 1991، ولا في عام 1996، ولا في عام 2001. سقط في أبريل/نيسان 2003، عندما وصلت القوات الأمريكية إلى بغداد. لأكثر من عقد من الزمان، خضع العراق لأحد أشد أنظمة العقوبات قسوةً في المنطقة: حظر شامل، وقيود تجارية، وإشراف دولي، وبرنامج “النفط مقابل الغذاء”. انهار الاقتصاد العراقي، ودفع الشعب ثمناً باهظاً، وازدهرت شبكات التهريب التابعة للنظام، لكن صدام حسين بقي في القصر.
تُجسّد هاتان الحالتان حقيقةً بسيطة: الضغط الاقتصادي يُمكن أن يُضعف النظام، لكنه لا يُؤدي بالضرورة إلى كسر آلية السلطة التي تُبقيه في السلطة. قد تُقوّي العقوبات أولئك الذين وُضعت لإضعافهم.
النظرية منطقية: قطع التمويل، يؤدي إلى استياء الشعب، وتنقسم النخبة، وينهار النظام. لكن في الأنظمة الديكتاتورية المركزية، وخاصةً تلك التي تعتمد على أجهزة أمنية قوية، قد يكون الواقع عكس ذلك تماماً. بالنسبة للعراق في التسعينيات، جعلت العقوبات قطاعات واسعة من السكان تعتمد على توزيع الغذاء وآليات الدولة. فمن يُسيطر على الدقيق والوقود والوصول إلى السوق السوداء، يُسيطر أيضاً على الشعب. حظي الجيش والاستخبارات والنخبة المقربة من النظام بوصول أفضل إلى الموارد، بينما دفع المواطنون العاديون الثمن. وبدلاً من تفكيك النظام، قد يؤدي الضغط الاقتصادي أحيانا إلى انكماشه حول نواة صغيرة موالية وأكثر عنفا.
تُجسّد سوريا هذا القصور أيضا. فقد عاشت البلاد تحت وطأة العقوبات الأمريكية لعقود، ومنذ عام ٢٠١١ تحت وطأة عقوبات أوروبية وأمريكية أشدّ وطأة. لم تكن الحرب الأهلية والخراب الاقتصادي وانهيار العملة والتضخم المفرط كافية لإسقاط الأسد. حتى قانون قيصر والقوائم السوداء التي طالت كبار شخصيات النظام لم تُفضِ إلى سقوطه.
كان العامل الحاسم هو تغيّر ميزان القوى العسكرية: كانت قوات مسلحة تتقدم نحو العاصمة، وفي الوقت نفسه، لم يعد بإمكان حلفاء الأسد الرئيسيين، روسيا وإيران، أو رغبتهما في الحفاظ على النظام لصالحه كما كان سابقا. كان الحصار بمثابة الخلفية، وفقدان السيطرة على العاصمة هو الحدث.
تُعدّ إيران أكبر اختبار لهذا التصوّر. تعيش إيران تحت وطأة العقوبات الأمريكية بأشكال مختلفة منذ ثمانينيات القرن الماضي. ثم تلتها عقوبات بسبب برنامجها النووي، وتجميد الأصول، وقيود مالية، و”الضغط الأقصى”، ومحاولات لتقليص صادرات النفط. والآن، أُضيف مفهوم جديد: “الغزو الاقتصادي.” فبدلاً من الرصاص الحي، باتت الرصاصات الاقتصادية هي السائدة. لكن النظام الإيراني تعلم التكيّف. باع النفط للصين بأسعار مخفضة، وأنشأ آليات التفاف، وشغّل طرق تهريب عبر الدول المجاورة، ونقل قطاعات واسعة من الاقتصاد إلى سيطرة الحرس الثوري، وصوّر أي نقص داخلي على أنه نتيجة عدو خارجي.
ألحقت العقوبات ضرراً بالمواطن الإيراني وأثّرت على تكلفة المعيشة. خلقت صعوبات على النظام، وزادت من تكلفة أنشطته الإقليمية، لكنها لم تُفكك آلية القمع. وحتى أحداث 2026، لا تغيّر بالضرورة من هذه القاعدة. فالضربات العسكرية، وتصفية كبار المسؤولين، والحصار البحري، والضغط الاقتصادي، كلها عوامل كفيلة بتقويض النظام ورفع ثمن بقائه بشكل كبير.
لكن طالما بقي النظام الأمني متماسكا، وطالما لم تكن هناك قوة قادرة على كسر قبضته في طهران نفسها، فإن النظام لا يزال يملك الأدوات اللازمة لفعل ما تجيده مثل هذه الأنظمة: الاستيعاب، والقمع، وإلقاء اللوم على العالم الخارجي، وانتظار أن يملّ العالم.
إن جولة أخرى من المقاطعات هي سياسة وليست استراتيجية لإسقاط نظام. العقوبات أداة مهمة عندما يكون الهدف هو تغيير السلوك: لتأخير برنامج نووي، أو لخلق صعوبات أمام تمويل الميليشيات، أو لقطع الإيرادات، أو للضغط على حكومة للتوصل إلى اتفاق، لكنها أداة محدودة للغاية عندما يكون الهدف المُعلن هو إسقاط نظام. السبب بسيط: انهيار أي نظام يتطلب، في مرحلة ما، كسر احتكاره للسلطة. العقوبات تُثقل كاهل الدولة، لكنها لا تُفكك في حد ذاتها قوات الباسيج، أو الحرس الثوري، أو جهاز المخابرات.
يقول البعض: سيثور الشعب الإيراني، وقد يحدث ذلك. لكن، كانت هناك انتفاضات في العراق وفي سوريا بدأت الحرب باحتجاجات مدنية واسعة النطاق. مع ذلك، بدون قوة قادرة على مواجهة الأجهزة الأمنية، قد تتلاشى الاحتجاجات أو تُقمع. لا تنهار الأنظمة الديكتاتورية لمجرد فقرها، بل تنهار عندما يدرك من يملكون السلاح أنه لم يبقَ أحد لحماية مركز السلطة.
ولا بد من ذكر وجهة النظر الأخرى: إن غزوا أمريكيا لإيران ليس حلا سهلا، وهو بالتأكيد ليس نسخة أخرى من أحداث 2003. إيران أكبر من العراق، وهي منطقة جبلية، وأكثر كثافة سكانية، ولديها بنية عسكرية وأيديولوجية أكثر عمقا. كما تمتلك شبكة إقليمية من الحلفاء – الميليشيات في العراق، والحوثيون في اليمن، وحزب الله في لبنان، فضلا عن قدرتها الحقيقية على إلحاق الضرر بخطوط الطاقة ودول المنطقة. ستكون الحملة البرية طويلة ومُكلفة ودموية. ومن يطرحها كحلٍ يتجاهل الواقع ببساطة.
لكن، حتى أولئك الذين يدّعون إمكانية تحقيق الهدف نفسه – انهيار الجمهورية الإسلامية عبر جولة أخرى من العقوبات وقائمة جديدة من التصنيفات من قِبل وزارة الخزانة الأمريكية – يُقدّمون حلا يبدو أرخص وأسهل مما هو عليه في الواقع. سقطت بغداد عندما وصلت إليها القوات الأمريكية، وسقطت دمشق عندما وصلت إليها قوات الجولاني. لن تسقط طهران بمجرد منعها من الوصول إلى منصة سويفت، أو إيقاف ناقلات النفط، أو إعلان جولة أخرى من “الضغط الأقصى.”
إذا كان الهدف هو احتواء إيران وإضعافها والحد من قدراتها، فإن العقوبات والحصار والضغط الاقتصادي أدوات فعّالة. أما إذا كان الهدف هو إسقاط النظام، فإن تاريخ العراق وسوريا يُعلّمنا شيئا آخر: اللحظة الحاسمة تأتي عندما يفقد النظام السيطرة على السلطة والجيش والعاصمة. الأنظمة لا تسقط عند الخزانة، بل تسقط عند أبواب القصر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى