قراءة في حلقة للكاتب والباحث ميخائيل عوض بعنوان “أوتستراد التحرير والتغيير: غزة؛ الضفة والجولان!”

أولا”: من تعدد الجبهات إلى وحدة المسار
ينطلق الطرح من فرضية مركزية مفادها أن ما يجري في المنطقة لم يعد مجموعة أزمات منفصلة، بل تحوّل إلى مسار واحد متصل تتقاطع فيه الجبهات من غزة إلى الضفة فالجولان، وصولاً إلى لبنان والأردن. هذه الرؤية تعيد تعريف الجغرافيا السياسية باعتبارها “أوتوستراد اشتباك”، حيث لم تعد الحدود عازلاً بل جسراً لنقل التأثيرات والتوازنات.
في هذا السياق، لا يُقرأ التصعيد كأحداث متفرقة، بل كحلقات ضمن عملية تراكمية تقود إلى لحظة تحوّل نوعي.
ثانيًا: قانون التراكم والانفجار: من الكم إلى النوع
يرتكز طرح عوض على فكرة نوعية في التحليل الاستراتيجي:
أن التراكمات الكمية (معاناة، حصار، مقاومة، خبرات قتالية) تتحول في لحظة معينة إلى تحوّل نوعي (انفجار، انتفاضة، تغيير جذري).
وفق هذا المنظور الحروب الطويلة التي عاشتها المنطقة ليست فشلاً بل مخاض ولادة عالم جديد، والاستنزاف ليس ضعفاً بل إعادة تشكيل للقوة،
والفوضى ليست نهاية بل مرحلة انتقالية.
وهنا يتم تقديم “الانفراج” ليس كحدث مفاجئ، بل كنتيجة حتمية لمسار طويل من التراكم.
ثالثًا: غزة والضفة: من الاحتواء إلى القابلية للانفجار
يرى الطرح أن البيئة في الضفة الغربية باتت تشبه – أو في طريقها لتشبه – ما كانت عليه بيئات مقاومة أخرى قبل الانفجار كالجبهة اللبنانية؛ وانتشار أدوات قتال منخفضة الكلفة (مسيرات، عبوات) ، صعوبة السيطرة الأمنية الكاملة
وحالة كمون شعبي قابل للتحول.
المفارقة التي يطرحها عوض: أن الأدوات البسيطة (مثل المسيرات البدائية) أصبحت قادرة على خلق توازن ردع، وهو ما يشكل مصدر قلق استراتيجي لإسرائيل، لأن:
التكنولوجيا التي تصنع النصر لم تعد حكراً على الجيوش النظامية.
رابعًا: الجولان وجنوب سوريا: الفراغ كفرصة
يُقدَّم الجنوب السوري كنموذج “الفراغ الأمني المنتج للفوضى”:
حيث تعدد سلطات الأمر الواقع
وضعف السيطرة المركزية
مع تدخلات إقليمية متشابكة
هذا الفراغ يُفسَّر بطريقتين:
كأداة لإعادة تشكيل المنطقة
أو كبيئة خصبة لنمو مقاومات غير تقليدية
وهنا يظهر التناقض: الفوضى التي يُراد منها الضبط، قد تتحول إلى مصدر تهديد مضاعف.
خامسًا: أوتوستراد التغيير والتحرير: من مصانع الجنوب السوري إلى اشتعال الضفة عبر غزة والجولان
يركّز طرح ميخائيل عوض على بناء ثلاثية جيوسياسية–ميدانية (الضفة، غزة، الجولان) بوصفها جسماً واحداً لا ثلاثة مسارح منفصلة، ويصوغها تحت مفهوم “أوتستراد التحرير والتغيير”؛ أي ممر تفاعلي تتنقّل عبره الخبرات والوسائط والرسائل الردعية بسرعة أعلى من قدرة الخصوم على الاحتواء. في هذا التصور، تتحول غزة من بؤرة حصار إلى مختبر إنتاج أدوات قتال منخفضة الكلفة، وتغدو الضفة مساحة كمون قابلة للاشتعال لحظة توافر الوسائط، بينما يقدَّم الجولان وجنوب سوريا كحلقة وصل رخوة تسمح بتسرّب المعرفة والسلاح وتشكّل عمقاً لوجستياً غير تقليدي. ما يربط هذه الدوائر ليس فقط القرب الجغرافي، بل “اقتصاد القتال” القائم على تبسيط التكنولوجيا (مسيرات بدائية، عبوات موجهة) بحيث تنتقل من حكر الجيوش إلى متناول الشبكات المحلية، فتتكوّن بيئة ردع موزّع لا مركزي. ضمن هذا الإطار، يقرأ عوض حادثة استهداف الجيش الأردني لمواقع في الجنوب السوري—المعلنة كحملة على مصانع المخدرات—كجزء من صراع أعمق على طبيعة هذا الممر: هل يُترك ليتحوّل إلى قناة تغذية لقدرات يمكن أن تتسرّب نحو الضفة، أم يُضبط مبكراً عبر ضربات وقائية؟ القراءة التي يقدّمها تميل إلى أن الدافع الفعلي يتجاوز رواية “مكافحة التهريب”، ليلامس هاجساً إسرائيلياً متصاعداً من انتقال قدرات تصنيع المسيرات والعبوات إلى بيئة الضفة، حيث يصعب على السيطرة الأمنية التقليدية احتواء تهديدات صغيرة الكلفة عالية الأثر. هكذا تصبح الضربة الأردنية، في هذا المنظور، إجراءً ضمنيّاً لإغلاق عقدة وصل في “الأوتوستراد” قبل أن تكتمل حلقاته، فيما يظل السؤال مفتوحاً حول قدرة أي طرف على تعطيل مسار يقوم أساساً على اللامركزية والانتشار الأفقي للخبرة. الخلاصة عند عوض أن تماسك هذه الثلاثية—إن اكتمل—يعيد تعريف ميزان القوة من تفوق تقني مركزي إلى شبكة مرنة تتكاثر أدواتها كلما اشتد الضغط عليها، ما يجعل أي محاولة للفصل بين الجبهات إجراءً مؤقتاً لا يوقف دينامية التحول بقدر ما يؤجلها.
سادسًا: لبنان: مختبر المفاجأة الصاعقة وكسر وهم التفوق
في مقاربة عوض، يتحول لبنان من ساحة تقليدية للصراع إلى “مختبر حي” يختبر حدود القوة الحديثة نفسها. الصورة التي سبقت أحداث الحرب الأخيرة والتي استمرت لأكثر من 15 شهرا كانت توحي ببيئة مكشوفة: اختراقات استخباراتية واسعة، تفوق تقني لدى الخصم، قدرة على الرصد والاستهداف، وساحة يُعتقد أنها تحت السيطرة شبه الكاملة. لكن ما جرى كشف فجوة عميقة بين الحقيقة الاستراتيجية والتقدير الإسرائيلي خاصة مع “امتلاك التفوق” و“القدرة على حسم النتائج” الذي أظهرته المقاومة في الجنوب ما شكل حالة صدمة ورعب عند الإسرائيلي. فالمفاجأة لم تأتِ من سلاح خارق، بل من طريقة توظيف ما هو متاح: تنظيم مرن، إخفاء ذكي، توزيع غير مركزي للقدرات، وإدارة إيقاع الاشتباك بما يربك منظومات القرار لدى الخصم.
الدرس الاستراتيجي الذي يلفت إليه عوض هو أن التفوق التقني، مهما بلغ، يظل محدود الفعالية إذا واجه بيئة قادرة على امتصاص الضربات وإعادة إنتاج قوتها. في لبنان، لم تعمل الضربات كـ“قاصمة”، بل كعامل تسريع لعملية تكيّف ميداني؛ إذ تتحول كل ضربة إلى فرصة لتطوير أساليب جديدة، وإعادة انتشار، وبناء طبقات إضافية من الحماية والخداع. بهذا المعنى، تنتقل المعركة من كونها مواجهة بين جيشين إلى صراع بين “نظام صلب” يعتمد على التفوق التكنولوجي، و“نظام مرن ” عاد ليعمل بأساليب حرب المقاومات الشعبية يتغذى من اللامركزية والقدرة على التعلم السريع.
كما يبرز عنصر الزمن كعامل حاسم: فكلما طال أمد الصراع، تقلصت ميزة التفوق التقني لصالح من يمتلك نفساً أطول وقدرة أعلى على التكيّف. هنا تظهر “المفاجأة الصاعقة” ليس كحدث لحظي، بل كنتيجة تراكمية لسلسلة من التحولات الصغيرة التي لا تُرى فوراً، لكنها تنفجر في لحظة معينة لتعيد رسم صورة الميدان. لذلك، يؤكد عوض أن البيئات التي تبدو مستنزفة أو مكشوفة قد تكون في الواقع تخزّن قدرات كامنة، تنتظر اللحظة المناسبة لتتحول إلى فعل مؤثر يخلخل حسابات الخصم. وهنا يعطف بالتحليل على واقع الضفة التي يراها تعيش كمون يمكن أن يكون مشابه لحالة حزب الله في لبنان.
الخلاصة في هذا المحور أن لبنان يقدّم نموذجاً يطعن في المسلّمات: السيطرة المعلوماتية لا تعني السيطرة الميدانية، وكثافة النيران لا تضمن الحسم، بينما الإرادة والتنظيم والمرونة قد تنتج “مفاجآت” تعيد تعريف ميزان القوة نفسه.
سابعًا: الأردن: من هامش المراقبة إلى عقدة الفعل في مسرح التحولات
في قراءة عوض، لا يُفهم التحرك العسكري الأردني بوصفه إجراءً أمنياً تقنياً معزولاً، بل كتحوّل في الموقع والدور داخل معادلة إقليمية آخذة في التشكل. فالأردن، الذي تموضع طويلاً في خانة “الضابط الحدودي” الحذر، بدأ ينتقل إلى دور أكثر فاعلية يتجاوز المراقبة إلى التدخل المباشر في تشكيل بيئة الجنوب السوري. الضربات التي نُفّذت في الجنوب السوري تحت عنوان مكافحة التهريب تُقرأ هنا كواجهة لاعتبارات أعمق تخوف إسرائيلي وأمريكي من صعود حركة مقاومة شعبية فجاء هذا التصعيد للسلطة في الأردن بهدف منع تشكّل بنى تحتية قتالية غير تقليدية (مثل ورش التصنيع المرتبطة بالمسيرات والعبوات) في فضاء رخوة يصعب ضبطه، لما قد يحمله ذلك من ارتدادات على الضفة الغربية وهو ما يشكل حالة السعار الإسرائيلي وفق تعبير عوض.
بهذا المعنى، يتحول الشريط الحدودي من خط فصل إلى “منطقة إدارة نشطة”؛ أي مجال يتطلب عملاً وقائياً مستمراً لضبط التدفقات—ليس المخدرات وفق المزعوم، بل أيضاً المعرفة والوسائط القتالية التي يمكن أن تنتقل أفقياً عبر الشبكات المحلية. ويضع عوض هذا التحول ضمن سياق أوسع من إعادة توزيع الأدوار الإقليمية، حيث تُدفع بعض الدول إلى تولي مهام ميدانية محددة لضبط مسارح رخوة ومنع تحوّلها إلى عقد وصل في شبكة اشتباك أوسع خدمة للمشروع الصهيو أمريكي. لكنه يؤكد في السياق نفسه على عروبة وأصالة …
ت
أولا”: من تعدد الجبهات إلى وحدة المسار
ينطلق الطرح من فرضية مركزية مفادها أن ما يجري في المنطقة لم يعد مجموعة أزمات منفصلة، بل تحوّل إلى مسار واحد متصل تتقاطع فيه الجبهات من غزة إلى الضفة فالجولان، وصولاً إلى لبنان والأردن. هذه الرؤية تعيد تعريف الجغرافيا السياسية باعتبارها “أوتوستراد اشتباك”، حيث لم تعد الحدود عازلاً بل جسراً لنقل التأثيرات والتوازنات.
في هذا السياق، لا يُقرأ التصعيد كأحداث متفرقة، بل كحلقات ضمن عملية تراكمية تقود إلى لحظة تحوّل نوعي.
ثانيًا: قانون التراكم والانفجار: من الكم إلى النوع
يرتكز طرح عوض على فكرة نوعية في التحليل الاستراتيجي:
أن التراكمات الكمية (معاناة، حصار، مقاومة، خبرات قتالية) تتحول في لحظة معينة إلى تحوّل نوعي (انفجار، انتفاضة، تغيير جذري).
وفق هذا المنظور الحروب الطويلة التي عاشتها المنطقة ليست فشلاً بل مخاض ولادة عالم جديد، والاستنزاف ليس ضعفاً بل إعادة تشكيل للقوة،
والفوضى ليست نهاية بل مرحلة انتقالية.
وهنا يتم تقديم “الانفراج” ليس كحدث مفاجئ، بل كنتيجة حتمية لمسار طويل من التراكم.
ثالثًا: غزة والضفة: من الاحتواء إلى القابلية للانفجار
يرى الطرح أن البيئة في الضفة الغربية باتت تشبه – أو في طريقها لتشبه – ما كانت عليه بيئات مقاومة أخرى قبل الانفجار كالجبهة اللبنانية؛ وانتشار أدوات قتال منخفضة الكلفة (مسيرات، عبوات) ، صعوبة السيطرة الأمنية الكاملة
وحالة كمون شعبي قابل للتحول.
المفارقة التي يطرحها عوض: أن الأدوات البسيطة (مثل المسيرات البدائية) أصبحت قادرة على خلق توازن ردع، وهو ما يشكل مصدر قلق استراتيجي لإسرائيل، لأن:
التكنولوجيا التي تصنع النصر لم تعد حكراً على الجيوش النظامية.
رابعًا: الجولان وجنوب سوريا: الفراغ كفرصة
يُقدَّم الجنوب السوري كنموذج “الفراغ الأمني المنتج للفوضى”:
حيث تعدد سلطات الأمر الواقع
وضعف السيطرة المركزية
مع تدخلات إقليمية متشابكة
هذا الفراغ يُفسَّر بطريقتين:
كأداة لإعادة تشكيل المنطقة
أو كبيئة خصبة لنمو مقاومات غير تقليدية
وهنا يظهر التناقض: الفوضى التي يُراد منها الضبط، قد تتحول إلى مصدر تهديد مضاعف.
خامسًا: أوتوستراد التغيير والتحرير: من مصانع الجنوب السوري إلى اشتعال الضفة عبر غزة والجولان
يركّز طرح ميخائيل عوض على بناء ثلاثية جيوسياسية–ميدانية (الضفة، غزة، الجولان) بوصفها جسماً واحداً لا ثلاثة مسارح منفصلة، ويصوغها تحت مفهوم “أوتستراد التحرير والتغيير”؛ أي ممر تفاعلي تتنقّل عبره الخبرات والوسائط والرسائل الردعية بسرعة أعلى من قدرة الخصوم على الاحتواء. في هذا التصور، تتحول غزة من بؤرة حصار إلى مختبر إنتاج أدوات قتال منخفضة الكلفة، وتغدو الضفة مساحة كمون قابلة للاشتعال لحظة توافر الوسائط، بينما يقدَّم الجولان وجنوب سوريا كحلقة وصل رخوة تسمح بتسرّب المعرفة والسلاح وتشكّل عمقاً لوجستياً غير تقليدي. ما يربط هذه الدوائر ليس فقط القرب الجغرافي، بل “اقتصاد القتال” القائم على تبسيط التكنولوجيا (مسيرات بدائية، عبوات موجهة) بحيث تنتقل من حكر الجيوش إلى متناول الشبكات المحلية، فتتكوّن بيئة ردع موزّع لا مركزي. ضمن هذا الإطار، يقرأ عوض حادثة استهداف الجيش الأردني لمواقع في الجنوب السوري—المعلنة كحملة على مصانع المخدرات—كجزء من صراع أعمق على طبيعة هذا الممر: هل يُترك ليتحوّل إلى قناة تغذية لقدرات يمكن أن تتسرّب نحو الضفة، أم يُضبط مبكراً عبر ضربات وقائية؟ القراءة التي يقدّمها تميل إلى أن الدافع الفعلي يتجاوز رواية “مكافحة التهريب”، ليلامس هاجساً إسرائيلياً متصاعداً من انتقال قدرات تصنيع المسيرات والعبوات إلى بيئة الضفة، حيث يصعب على السيطرة الأمنية التقليدية احتواء تهديدات صغيرة الكلفة عالية الأثر. هكذا تصبح الضربة الأردنية، في هذا المنظور، إجراءً ضمنيّاً لإغلاق عقدة وصل في “الأوتوستراد” قبل أن تكتمل حلقاته، فيما يظل السؤال مفتوحاً حول قدرة أي طرف على تعطيل مسار يقوم أساساً على اللامركزية والانتشار الأفقي للخبرة. الخلاصة عند عوض أن تماسك هذه الثلاثية—إن اكتمل—يعيد تعريف ميزان القوة من تفوق تقني مركزي إلى شبكة مرنة تتكاثر أدواتها كلما اشتد الضغط عليها، ما يجعل أي محاولة للفصل بين الجبهات إجراءً مؤقتاً لا يوقف دينامية التحول بقدر ما يؤجلها.
سادسًا: لبنان: مختبر المفاجأة الصاعقة وكسر وهم التفوق
في مقاربة عوض، يتحول لبنان من ساحة تقليدية للصراع إلى “مختبر حي” يختبر حدود القوة الحديثة نفسها. الصورة التي سبقت أحداث الحرب الأخيرة والتي استمرت لأكثر من 15 شهرا كانت توحي ببيئة مكشوفة: اختراقات استخباراتية واسعة، تفوق تقني لدى الخصم، قدرة على الرصد والاستهداف، وساحة يُعتقد أنها تحت السيطرة شبه الكاملة. لكن ما جرى كشف فجوة عميقة بين الحقيقة الاستراتيجية والتقدير الإسرائيلي خاصة مع “امتلاك التفوق” و“القدرة على حسم النتائج” الذي أظهرته المقاومة في الجنوب ما شكل حالة صدمة ورعب عند الإسرائيلي. فالمفاجأة لم تأتِ من سلاح خارق، بل من طريقة توظيف ما هو متاح: تنظيم مرن، إخفاء ذكي، توزيع غير مركزي للقدرات، وإدارة إيقاع الاشتباك بما يربك منظومات القرار لدى الخصم.
الدرس الاستراتيجي الذي يلفت إليه عوض هو أن التفوق التقني، مهما بلغ، يظل محدود الفعالية إذا واجه بيئة قادرة على امتصاص الضربات وإعادة إنتاج قوتها. في لبنان، لم تعمل الضربات كـ“قاصمة”، بل كعامل تسريع لعملية تكيّف ميداني؛ إذ تتحول كل ضربة إلى فرصة لتطوير أساليب جديدة، وإعادة انتشار، وبناء طبقات إضافية من الحماية والخداع. بهذا المعنى، تنتقل المعركة من كونها مواجهة بين جيشين إلى صراع بين “نظام صلب” يعتمد على التفوق التكنولوجي، و“نظام مرن ” عاد ليعمل بأساليب حرب المقاومات الشعبية يتغذى من اللامركزية والقدرة على التعلم السريع.
كما يبرز عنصر الزمن كعامل حاسم: فكلما طال أمد الصراع، تقلصت ميزة التفوق التقني لصالح من يمتلك نفساً أطول وقدرة أعلى على التكيّف. هنا تظهر “المفاجأة الصاعقة” ليس كحدث لحظي، بل كنتيجة تراكمية لسلسلة من التحولات الصغيرة التي لا تُرى فوراً، لكنها تنفجر في لحظة معينة لتعيد رسم صورة الميدان. لذلك، يؤكد عوض أن البيئات التي تبدو مستنزفة أو مكشوفة قد تكون في الواقع تخزّن قدرات كامنة، تنتظر اللحظة المناسبة لتتحول إلى فعل مؤثر يخلخل حسابات الخصم. وهنا يعطف بالتحليل على واقع الضفة التي يراها تعيش كمون يمكن أن يكون مشابه لحالة حزب الله في لبنان.
الخلاصة في هذا المحور أن لبنان يقدّم نموذجاً يطعن في المسلّمات: السيطرة المعلوماتية لا تعني السيطرة الميدانية، وكثافة النيران لا تضمن الحسم، بينما الإرادة والتنظيم والمرونة قد تنتج “مفاجآت” تعيد تعريف ميزان القوة نفسه.
سابعًا: الأردن: من هامش المراقبة إلى عقدة الفعل في مسرح التحولات
في قراءة عوض، لا يُفهم التحرك العسكري الأردني بوصفه إجراءً أمنياً تقنياً معزولاً، بل كتحوّل في الموقع والدور داخل معادلة إقليمية آخذة في التشكل. فالأردن، الذي تموضع طويلاً في خانة “الضابط الحدودي” الحذر، بدأ ينتقل إلى دور أكثر فاعلية يتجاوز المراقبة إلى التدخل المباشر في تشكيل بيئة الجنوب السوري. الضربات التي نُفّذت في الجنوب السوري تحت عنوان مكافحة التهريب تُقرأ هنا كواجهة لاعتبارات أعمق تخوف إسرائيلي وأمريكي من صعود حركة مقاومة شعبية فجاء هذا التصعيد للسلطة في الأردن بهدف منع تشكّل بنى تحتية قتالية غير تقليدية (مثل ورش التصنيع المرتبطة بالمسيرات والعبوات) في فضاء رخوة يصعب ضبطه، لما قد يحمله ذلك من ارتدادات على الضفة الغربية وهو ما يشكل حالة السعار الإسرائيلي وفق تعبير عوض.
بهذا المعنى، يتحول الشريط الحدودي من خط فصل إلى “منطقة إدارة نشطة”؛ أي مجال يتطلب عملاً وقائياً مستمراً لضبط التدفقات—ليس المخدرات وفق المزعوم، بل أيضاً المعرفة والوسائط القتالية التي يمكن أن تنتقل أفقياً عبر الشبكات المحلية. ويضع عوض هذا التحول ضمن سياق أوسع من إعادة توزيع الأدوار الإقليمية، حيث تُدفع بعض الدول إلى تولي مهام ميدانية محددة لضبط مسارح رخوة ومنع تحوّلها إلى عقد وصل في شبكة اشتباك أوسع خدمة للمشروع الصهيو أمريكي. لكنه يؤكد في السياق نفسه على عروبة وأصالة …




