من بنت جبيل والخيام الى صور والنبطية: الحرب على الذاكرة والهوية في جنوب لبنان

د. علي فاعور: رئيس مركز السكان والتنمية، وعضو المجلس الوطني للبحوث العلمية.
مقدمة
لم تعد الحرب في جنوب لبنان منذ عام 2024 تقتصر على القصف والتدمير التقليدي، بل باتت تتخذ أبعاداً أعمق ترتبط باستهداف الذاكرة المكانية والرمزية. فمع اتساع العمليات العسكرية، لم تعد الخسائر محصورة بالمنازل والبنى التحتية والقرى الحدودية، بل امتدت إلى الأسواق التاريخية، والسجلات المدنية، والمقامات الدينية، والمواقع الأثرية، والمراكز الاقتصادية التي شكّلت عبر عقود طويلة جزءاً من هوية الجنوب الاجتماعية والثقافية.
وفي هذا السياق، تكشف الاعتداءات التي طالت بنت جبيل والخيام وصور والنبطية أنّ الجنوب يواجه اليوم شكلاً جديداً من الحروب يتجاوز المواجهة التقليدية، عبر ضرب عناصر استمراريته التاريخية والاقتصادية والثقافية. فحين تُستهدف الوثائق الرسمية والأسواق القديمة، تصبح الحرب مواجهة على الذاكرة والهوية بقدر ما هي مواجهة على الأرض والحدود.
بنت جبيل… حين تُستهدف السجلات والهوية
شكّل تدمير مبنى دائرة النفوس والسجلات الرسمية في بنت جبيل واحداً من أكثر المشاهد المعبّرة، فالاستهداف لم يطل مبنى إدارياً عادياً، بل أصاب مركزاً يرتبط مباشرة بالهوية القانونية والمدنية للسكان، من سجلات الأحوال الشخصية إلى الملكيات العقارية التي تحفظ علاقة الناس بأرضهم وتاريخهم المحلي.
وتكتسب هذه المسألة حساسية خاصة في مدينة حدودية مثل بنت جبيل، التي تُعد من أبرز المراكز الحضرية والتاريخية في منطقة جبل عامل. فالمدينة الواقعة على مسافة قصيرة من الحدود الفلسطينية المحتلة لعبت عبر عقود طويلة دوراً اقتصادياً وثقافياً مهماً، واشتهرت بأسواقها الشعبية وزراعة التبغ والحرف التقليدية وصناعة الأحذية، إلى جانب حضورها الفكري والسياسي في تاريخ الجنوب الحديث.
كما ارتبط اسم بنت جبيل بمحطات مفصلية في الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، سواء خلال فترة الشريط الحدودي أو خلال حرب تموز 2006، حين تحوّلت المدينة إلى إحدى أبرز ساحات المواجهة والتدمير. ولذلك، فإن استهداف السجلات الرسمية فيها لا يمكن قراءته فقط كخسارة تقنية أو إدارية، بل كضربة تطال الذاكرة المدنية للمكان نفسه.
فالسجلات العقارية وسجلات النفوس لا تمثل مجرد أوراق محفوظة داخل مبنى رسمي، بل تشكل جزءاً من إثبات علاقة السكان بأرضهم وحقوقهم واستمرارية وجودهم في المناطق الحدودية.

صور دمار بنت جبيل… من مدينة حدودية حيّة إلى مجال مدمّر: تُظهر صور الأقمار الصناعية التحول التدريجي لوسط مدينة بنت جبيل في جنوب لبنان من نسيج عمراني مأهول إلى مساحة مدمرة بالكامل.. المصدر صور أقمار صناعية Airbus Satellite Imagery))…
الخيام… استهداف الذاكرة الحيّة للاحتلال والتحرير
إذا كانت بنت جبيل تمثل نموذجاً لاستهداف الذاكرة المدنية، فإن مدينة الخيام تختصر جانباً آخر أكثر تعقيداً يرتبط بالذاكرة السياسية والرمزية للاحتلال والتحرير في جنوب لبنان.
فالمدينة الواقعة على هضبة تشرف على سهل مرجعيون وسهل الحولة والجولان المحتل وجبل الشيخ، احتلت تاريخياً موقعاً استراتيجياً حاكماً في القطاع الشرقي من الجنوب. كما ارتبط اسمها بمنابع المياه المحيطة بها، ولا سيّما نبع الدردارة الذي يغذي سهل مرجعيون.
غير أنّ أهمية الخيام لا تتوقف عند موقعها الجغرافي، بل ترتبط أيضاً بكونها واحدة من أكثر البلدات التصاقاً بذاكرة الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان. فقد تحوّل معتقل الخيام، الذي أُنشئ أساساً كثكنة فرنسية في ثلاثينيات القرن الماضي، إلى مركز اعتقال وتعذيب خلال فترة الاحتلال بين عامَي 1985 و2000.
وبعد التحرير في أيار 2000، تحوّل اقتحام المعتقل وخروج الأسرى منه إلى لحظة رمزية كبرى ارتبطت بانهيار جيش لبنان الجنوبي والانسحاب الإسرائيلي من معظم الأراضي اللبنانية المحتلة. ومنذ ذلك الحين، بات معتقل الخيام رمزاً لذاكرة الاعتقال والتعذيب والصمود في الجنوب.
لكن الاعتداءات الأخيرة دمرت المدينة، بما فيها المعتقل والمستشفى الميداني وبعض المرافق الإدارية والتاريخية.
صور والنبطية… الحرب على الأسواق والتراث
لم تعد الحرب تقتصر على القرى الحدودية، بل امتدت إلى المراكز الحضرية والتراثية في الجنوب اللبناني. ففي مدينة صور، إحدى أقدم المدن الفينيقية في حوض المتوسط والمصنّفة على لائحة التراث العالمي لليونسكو، تصاعدت المخاوف من تعرض المواقع الأثرية والتاريخية لأضرار مباشرة وغير مباشرة نتيجة الغارات المتكررة واتساع العمليات العسكرية.
وقد طالت التهديدات محيط موقع البص الأثري والهيبودروم الروماني والأسواق القديمة وبعض المعالم التاريخية والدينية، وسط تحذيرات من أن تؤدي الارتجاجات والقصف القريب إلى إضعاف البنية الهندسية لمواقع تعود إلى مراحل فينيقية ورومانية وبيزنطية متعاقبة.
أما في النبطية، فقد شكّل تدمير السوق التجاري التاريخي واحداً من أكثر المشاهد رمزية في الجنوب، بعدما تحوّل السوق العثماني القديم إلى ركام نتيجة الغارات الجوية. ويُعد السوق جزءاً من الذاكرة الاقتصادية والاجتماعية للمدينة، إذ تعود نواته الأساسية إلى العهدين المملوكي والعثماني، بينما تشكلت أبنيته الحجرية الحديثة في مطلع القرن العشرين. وقد أدى القصف إلى تدمير مئات المتاجر والمؤسسات، إضافة إلى الخان التاريخي ومنازل تراثية وفندق قديم شكّل لعقود محطة للتجار والمسافرين. كما طالت الأضرار محال ومؤسسات ارتبطت بذاكرة الأجيال في المدينة وأسواقها الشعبية.
القلاع والمقامات … الحرب على الرموز الثقافية والدينية
شملت الاعتداءات أيضاً إلى عدد من القلاع التاريخية والمقامات والمساجد والكنائس التي شكّلت عبر قرون جزءاً من الهوية الثقافية والدينية للقرى الجنوبية.
فقد تعرضت قلعة شمع التاريخية ومقام النبي شمعون الصفا لأضرار واسعة بعد عمليات تفجير واستهداف متكررة، كما طال القصف محيط قلعة الشقيف المشرفة على نهر الليطاني، وقلعة تبنين الصليبية، إضافة إلى مواقع تراثية ودينية أخرى في مناطق متعددة من الجنوب.
ولم تقتصر الاعتداءات على القلاع، بل شملت مقامات ومساجد وكنائس تاريخية، مثل مقام النبي بنيامين في محيبيب، ومساجد في بليدا ويارون ومجدل سلم وشبعا، إضافة إلى كنائس تاريخية تضررت بفعل القصف.
وتكتسب هذه المواقع أهمية تتجاوز بعدها الديني أو العمراني، لأنها ترتبط بالذاكرة الجماعية للقرى الجنوبية، ولذلك، فإن تدميرها يمثل استهدافاً للرموز التي تمنح المكان هويته وتماسكه الاجتماعي.
الحرب على الاقتصاد المنتج في الجنوب
تكشف الحرب أيضاً عن استنزاف متزايد للاقتصاد المنتج في جنوب لبنان، ولا سيّما في المناطق الحدودية التي عانت تاريخياً من التهميش وضعف الاستثمار. فقد نجحت بلدات الجنوب خلال العقود الماضية في تطوير شبكة من الصناعات الصغيرة والمتوسطة، ولا سيّما في قطاعات الصناعات الغذائية والبلاستيكية وصناعة المفروشات. وتبرز في هذا السياق نماذج مثل معمل «كوفيكو» للقهوة السريعة التحضير في كفركلا، ومصنع الخيام للمنتجات البلاستيكية في الوزاني، وصناعة المفروشات في ميس الجبل، ومعامل الأجبان والألبان في مرجعيون والخيام.
لكن الحرب الأخيرة دفعت هذه المؤسسات ت الى مواجهة خطر الانهيار الكامل، نتيجة: التدمير المباشر، تخريب المعدات، خسارة المخزون، النزوح القسري، وارتفاع الأكلاف التشغيلية. ما دفع العديد من المؤسسات نحو الإقفال أو نقل نشاطها خارج الجنوب.
وهكذا، لم تعد الحرب مرتبطة فقط بالخسائر العمرانية، حيث يؤدي تدمير المؤسسات الإنتاجية إلى: خسارة فرص العمل، تسارع الهجرة الداخلية والخارجية، وتعميق هشاشة المناطق الحدودية سكانياً واقتصادياً.
التراث الجنوبي بين اليونسكو واتفاقية لاهاي
مع اتساع الأضرار التي طالت المواقع الأثرية والدينية والتاريخية، انتقلت قضية حماية التراث في جنوب لبنان إلى مستوى المتابعة الدولية، ولا سيّما عبر منظمة اليونسكو واتفاقية لاهاي الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة.
وقد أطلقت اليونسكو مبادرات لحماية عدد من المواقع الثقافية اللبنانية، من بينها آثار صور، كما جرى تفعيل استخدام «الدرع الأزرق» باعتباره الشعار الدولي المعتمد لحماية الممتلكات الثقافية أثناء الحروب.
وفي المقابل، برز نقاش قانوني متزايد حول استهداف الممتلكات الثقافية والمراكز المدنية ودور العبادة والأسواق التاريخية، باعتبارها مواقع محمية بموجب القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف واتفاقية لاهاي لعام 1954.
كما يعتبر نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية أنّ تعمد استهداف المباني الدينية والمواقع التاريخية والممتلكات المدنية من دون ضرورة عسكرية مباشرة قد يندرج ضمن تصنيف جرائم الحرب.
خاتمة
تكشف الاعتداءات التي طالت بنت جبيل والخيام وصور والنبطية أنّ الحرب في جنوب لبنان تجاوزت حدود المواجهة العسكرية التقليدية، لتتحول تدريجياً إلى صراع على الذاكرة والمجال والهوية التاريخية للجنوب اللبناني.
فحين تُستهدف السجلات الرسمية، والأسواق القديمة، والمقامات الدينية، والمواقع الأثرية، والمؤسسات الإنتاجية، يصبح التهديد موجهاً أيضاً إلى استمرارية المكان نفسه، وإلى الروابط التي تجمع السكان بأرضهم وذاكرتهم وتاريخهم المحلي.
ولهذا، فإن إعادة إعمار الجنوب لا يمكن أن تقتصر على إعادة بناء الأبنية والطرقات، بل تحتاج أيضاً إلى حماية: الذاكرة، التراث، الاقتصاد المحلي، والهوية المكانية للقرى والمدن الجنوبية.
فالمعركة الدائرة اليوم لا تتعلق فقط بالأرض والحدود، بل أيضاً بتاريخ الجنوب وذاكرته ومستقبله.




