ترامب يطلب من سوريا القيام بما سيؤدي إلى تدميرها وتدمير لبنان

رصد الاعلام العبري: 17 / 6
القناة 12:
د. كارميت فالنسي: رئيسة برنامج سوريا في معهد دراسات الأمن القومي (INSS)
تُعدّ تصريحات الرئيس ترامب، التي أدلى بها يوم الثلاثاء على هامش قمة مجموعة السبع في فرنسا، أوضح دعوة عَلَنية له حتى الآن للرئيس السوري أحمد الشرع لاتخاذ إجراء ضد حزب الله. مع ذلك، ليست هذه المرة الأولى التي تُطرح فيها هذه الفكرة. ففي الواقع، وفي المراحل الأولى من الحرب مع إيران، في مارس/آذار، بدأت موجة من الشائعات والتقارير حول نيّة سوريا غزو الأراضي اللبنانية لمحاربة حزب الله. ووفقا لتقرير نشرته رويترز في 17 مارس/آذار، شجّعت الولايات المتحدة سوريا على النظر في اتخاذ إجراء ضد حزب الله، بما في ذلك إمكانية نشر قوات في شرق لبنان، كجزء من جهد أوسع لكبح النفوذ الإيراني. كما ورد أن دمشق مُترددة في اتخاذ خطوة في هذا الاتجاه خشية الانجرار إلى صراع إقليمي أوسع وتفاقم التوترات الداخلية والطائفية.
تكشف تصريحات ترامب عن مفارقة عميقة في السياسة الأمريكية تجاه سوريا. فمن جهة، تبذل واشنطن جهودا حثيثة لتثبيت نظام أحمد الشرع الجديد، ومن جهة أخرى، تتوقع منه الدخول في صراع عسكري قد يقوّض إنجازاته ويُهدد مشروع الدولة الذي يسعى لبنائها. لذا، يثور التساؤل عمّا إذا كان الدافع وراء هذا الطلب نابعا من قصور في فهم ديناميكيات سوريا والشرق الأوسط، أم أنه محاولة لاستفزاز نتنياهو، الذي يرى ترامب أنه لا يؤدي دوره على النحو الأمثل مع حزب الله..؟
على مدار العام الماضي، عملت الولايات المتحدة بشكل غير مسبوق لمساعدة الشرع على ترسيخ حكمه وإخراج سوريا من دائرة العزلة. يهدف رفع العقوبات، ومنح الشرعية السياسية، وتشجيع الاستثمار الأجنبي، إلى تحقيق غاية واحدة: تثبيت النظام الجديد. ولهذا السبب تحديدا، يبدو طلب فتح سوريا جبهة عسكرية في لبنان أمرا مُحيرا للغاية. قد تُقوّض هذه الخطوة أولويات النظام، وتستنزف موارده الحيوية، وتُعرّض عملية إعادة الإعمار برمتها للخطر. لذا، ليس من المستغرب أن تُسارع القيادة السورية، إلى نفي أي نيّة لتنفيذ مثل هذه الخطوة. وقد أوضح الشرع، في محادثاته مع قادة المنطقة، أن حشد قواته يهدف إلى أغراض دفاعية فقط. وأمام الرئيس اللبناني، أعرب الشرع عن دعم سوريا الكامل لاستقرار لبنان وأمنه، ولجهود الحكومة اللبنانية الرامية إلى إرساء السيادة ونزع سلاح حزب الله.
المخاطر على سورية من وجهة نظر الشرع:
تُعدّ هذه الخطوة مُعقّدة ومحفوفة بالمخاطر. فالجيش السوري لا يزال في طور التكوين، وقدراته محدودة، ويواجه تحديات داخلية وأمنية وعرقية. وبسبب محدودية قدراته، قد تؤدي المواجهة مع حزب الله إلى غرق سوريا في المستنقع اللبناني لفترة طويلة، مما يسمح بتفاقم التهديدات الداخلية إلى حدّ تقويض النظام. بمعنى آخر، يطلب ترامب من الشرع القيام بما سعى النظام الجديد لتجنبه منذ وصوله إلى السلطة: الانجرار إلى حرب إقليمية بينما لا يزال يكافح لفرض سيطرته داخل حدوده.
في لبنان، قد تُعرّض هذه الخطوة العلاقات للخطر، ولا سيما الثقة التي تبنى بين البلدين. لا يرغب اللبنانيون في رؤية سوريا تتدخل في شؤونهم مجدداً، ومجرد فكرة عمل عسكري سوري في لبنان تُثير ذكريات مؤلمة وصادمة للاحتلال السوري للبنان من عام ١٩٧٦ إلى ٢٠٠٥، وهي فترة اتسمت بالعنف الشديد والقمع الدموي. إضافةً إلى ذلك، يصعب تجاهل ثقل الموقف التركي المعارض للتدخل السوري في لبنان، في حسابات الشرع.
أخيراً، لا يُمكن للشرع أن يُنظر إليه على أنه يعمل لصالح المصالح الإسرائيلية، وهي رواية بدأت تتردد أصداؤها على وسائل التواصل الاجتماعي في سوريا، مع بداية الحرب مع إيران.
فيما يخص الموقف الإسرائيلي حتى الآن، لم يصدر أي رد إسرائيلي رسمي على المقترح الأمريكي. ومع ذلك، في ضوء السياسة الإسرائيلية تجاه سوريا، التي تذبذبت بين الاعتماد على القوة العسكرية والتواجد البري، وبين الاتصالات الدبلوماسية الحذرة والمترددة، يُمكن افتراض وجود نهجين تجاه هذه القضية: نهج يرى فيها فرصة، ونهج آخر يراها خطراً. فمن جهة، تُعد هذه حالة نموذجية لتداخل المصالح، إذ إن خوض حرب سورية ضد حزب الله وفتح جبهة أخرى ضده، قد يُخفف العبء العسكري على إسرائيل ويُسهم في إضعاف التنظيم، وهو هدف تسعى إليه إسرائيل منذ سنوات. إضافةً إلى ذلك، تُتيح هذه القضية فرصة لاختبار “جدية” الشرع، ومعرفة ما إذا كان بإمكانه إثبات جدواه وكونه إضافة قيّمة لإسرائيل والمنطقة.
ومن جهة أخرى، لا تزال المؤسسة الإسرائيلية متشككة في شخصية ونوايا الشرع نظرا لماضيه الجهادي وفي ضوء صدمة السابع من أكتوبر. لذا، قد تثير مثل هذه الخطوة مخاوف، إذ ستُعتبر مؤشرا على جرأة الرئيس الجديد، بل وربما تُنذر بنوايا هجومية مستقبلية، ربما ضد إسرائيل أيضا. ويرى أصحاب هذا الرأي أن إسرائيل ستكون أفضل حالا في مواجهة عدو مألوف (الشيعة) بدلا من عدو جهادي جديد.
في نهاية المطاف، لا يقتصر السؤال على ما إذا كان الشرع مستعدا لمحاربة حزب الله، بل يتعداه إلى ما إذا كانت الولايات المتحدة ترغب حقا في ذلك. فإذا كان هدف واشنطن هو استقرار سوريا وإقامة نظام براغماتي في دمشق، فمن الصعب تصوّر كيف يخدم فتح جبهة جديدة في لبنان هذا الهدف.
قد تكون تصريحات ترامب تهدف في المقام الأول إلى الضغط على إسرائيل أو توجيه رسالة إلى حزب الله، ولكن إذا تُرجمت إلى سياسة فعلية، فقد تُحوّل إحدى قصص النجاح النسبية للولايات المتحدة في المنطقة إلى خطر استراتيجي جديد.




