قراءة في حلقة للكاتب والباحث ميخائيل عوض بعنوان “الرهان على الجنرال هيكل هل يفعلها؟ ورقة التفاوض بنود سرية؟ الاتفاق ولد ميتا”

الاتفاق اللبناني – الإسرائيلي: ورقة عار وُلدت ميتة… ومحاولة لفرض استسلام لم يصمد ساعات
يرى ميخائيل عوض أن الورقة التي صاغتها الإدارة الأمريكية وقدمتها إلى لبنان وإسرائيل لم تكن اتفاقاً عادياً، بل وثيقة استسلام سياسي وأمني تهدف إلى تغيير نتائج الحرب لا تثبيت وقف إطلاق النار. ويعتبر أن هذه الورقة سقطت عملياً قبل أن تدخل حيز التنفيذ، بعدما أعلن بنيامين نتنياهو بنفسه أنه لن ينسحب من الأراضي اللبنانية، وأن أقصى ما سيقدمه هو ترتيبات محدودة لا تمس جوهر الاحتلال، ما يعني – وفق عوض – أن الجانب الإسرائيلي نسف الاتفاق قبل ولادته.
ويضيف أن الوثيقة اصطدمت برفض سياسي وشعبي واسع، فضلاً عن التعقيدات الدستورية اللبنانية التي تجعل تمريرها أمراً بالغ الصعوبة، سواء داخل مجلس الوزراء أو مجلس النواب، لذلك يصفها بأنها “ولدت ميتة” لأنها فقدت الغطاء السياسي والوطني قبل أن تتحول إلى اتفاق نافذ.
بنود سرية خطيرة… والجيش اللبناني خارج سلطة الدولة؟
يتوقف عوض عند ما يصفه بـ”التسريبات” التي تتحدث عن وجود بنود سرية مرافقة للاتفاق، معتبراً أنها الأخطر في كامل الوثيقة، لأنها – بحسب طرحه – تنقل القرار العملياتي للجيش اللبناني من المؤسسات الدستورية اللبنانية إلى منظومة رقابة أمنية مرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل.
ويرى أن هذه البنود، إن صحت، تعني عملياً تجريد الجيش من استقلالية قراره، وتحويله إلى قوة تنفيذية تعمل وفق متطلبات أمنية إسرائيلية، الأمر الذي يعتبره سقوطاً غير مسبوق لمفهوم السيادة الوطنية، وانقلاباً على الدستور وصلاحيات رئيس الجمهورية والحكومة وقيادة الجيش.
ويضيف أن المساعدات المالية الأمريكية الموعودة للجيش لا يمكن فصلها عن هذه الشروط، معتبراً أنها محاولة لشراء القرار العسكري مقابل مبالغ مالية متواضعة لا توازي، بحسب وصفه، حجم التنازلات المطلوبة.
لماذا لم يتخذ الثنائي موقفاً حاداً؟… على ماذا يراهن؟
يتساءل عوض عن سبب غياب التصعيد السياسي من جانب الثنائي الشيعي، رغم وصفه الاتفاق بأنه يمس جوهر السيادة اللبنانية.
ويجيب بأن هذا الهدوء لا يعني القبول، بل يعكس بل ربما رهاناً على إسقاط الاتفاق عبر المؤسسات الدستورية أولاً، ثم عبر تبدل موازين القوى الإقليمية ثانياً، دون الذهاب إلى مواجهة داخلية قد تفتح باب الفتنة.
ويعتبر أن رئيس مجلس النواب نبيه بري يركز على احتواء الانقسام الداخلي ومنع الانزلاق إلى صدام لبناني – لبناني، في وقت يعتقد فيه الثنائي أن التطورات الإقليمية كفيلة بإسقاط الورقة من تلقاء نفسها، لذلك فضّل اعتماد خطاب هادئ مع الاحتفاظ بأوراق القوة السياسية والدستورية.
الرهان على الجنرال رودولف هيكل… هل يستحضر تجربة فؤاد شهاب؟
يضع عوض قائد الجيش العماد رودولف هيكل في قلب المرحلة المقبلة، معتبراً أن المؤسسة العسكرية أصبحت أمام اختبار تاريخي.
ويرى أن هيكل ما زال يحافظ على صورة الضابط الوطني الحريص على الجيش ووحدته وكرامته، ولذلك يوجه إليه دعوة لاتخاذ موقف يمنع تحويل المؤسسة العسكرية إلى أداة لتنفيذ أي ترتيبات تمس السيادة اللبنانية.
ويستحضر في هذا السياق تجربة الرئيس الراحل فؤاد شهاب خلال أحداث عام 1958، عندما رفض، وهو قائداً للجيش، الزج بالمؤسسة العسكرية في الصراع الداخلي، محافظاً على وحدة الجيش، قبل أن يصل لاحقاً إلى رئاسة الجمهورية.
وبحسب رؤية عوض، فإن التاريخ قد يعيد نفسه، وأن القرار الذي سيتخذه قائد الجيش اليوم قد يرسم مستقبل الدولة اللبنانية لسنوات طويلة.
الجيش… آخر حصون الدولة والمعبر إلى قصر بعبدا
يؤكد عوض أن المؤسسة العسكرية أصبحت آخر مؤسسة تحظى بقدر من الثقة الوطنية بعد الانهيار الذي أصاب معظم مؤسسات الدولة.
ويرى أن قيادة الجيش بقيت تاريخياً المعبر الأكثر حضوراً نحو رئاسة الجمهورية، مستذكراً وصول فؤاد شهاب وإميل لحود وميشال سليمان إلى قصر بعبدا من قيادة الجيش.
ومن هنا يعتبر أن الحفاظ على استقلالية الجيش اليوم لا يتعلق فقط بالمؤسسة العسكرية، بل بمستقبل الكيان اللبناني كله، لأن سقوط الجيش في الحسابات السياسية الخارجية يعني، وفق طرحه، سقوط آخر ركائز الدولة.
الاتفاق الأمريكي – الإيراني سينفذ حرفياً… ونتنياهو لن يستطيع تعطيله
في قراءته للمشهد الإقليمي، يؤكد عوض أن التفاهم الذي تم بين واشنطن وطهران بعد الحرب الأخيرة ليس اتفاقاً شكلياً، بل تفاهم استراتيجي سيفرض نفسه على الجميع.
ويرى أن الولايات المتحدة ستكون مضطرة في النهاية إلى إلزام إسرائيل بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه، بما يشمل الانسحاب الإسرائيلي، وإعادة الأهالي، وإطلاق الأسرى، وبدء إعادة الإعمار، لأن البديل سيكون انفجاراً إقليمياً جديداً لا ترغب به واشنطن.
وبناء على ذلك، يعتبر أن أي خطوات إسرائيلية مخالفة ليست سوى محاولة لكسب الوقت، لكنها لن تغير المسار النهائي الذي رُسم خلال المفاوضات.
مضيق هرمز… تصريحات نارية من ترامب ووقائع ميدانية تفرضها إيران
يفصل عوض بين الخطاب السياسي الأمريكي والواقع العسكري على الأرض، معتبراً أن التصريحات التصعيدية الصادرة عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا تعكس موازين القوى الفعلية.
ويرى أن إيران تواصل، بحسب تحليله، فرض قواعد اشتباك جديدة في مضيق هرمز، مستندة إلى قدراتها العسكرية وتحالفاتها الإقليمية، وأن الميدان هو الذي يرسم حدود التفاوض، وليس المؤتمرات أو التصريحات الإعلامية.
ويعتبر أن معركة هرمز أصبحت مركز الثقل الحقيقي في المنطقة، وأن مستقبل لبنان والجنوب بات مرتبطاً بنتائج هذا الاشتباك الإقليمي أكثر مما هو مرتبط بالمفاوضات الداخلية اللبنانية.
محاولات يسقطها الميدان
بحسب رؤية ميخائيل عوض، فإن ورقة التفاوض ليست سوى محاولة لتغيير نتائج الحرب سياسياً بعد العجز عن فرضها عسكرياً، لكنها سقطت منذ لحظة إعلانها بسبب رفضها الداخلي والتناقضات الإسرائيلية نفسها. ويرى أن الرهان اليوم انتقل إلى ثلاثة عناصر أساسية: موقف قيادة الجيش اللبناني، وقدرة القوى السياسية الرافضة على إسقاط الاتفاق دستورياً، وما ستفرضه التطورات الإقليمية، ولا سيما مسار التفاهم الأمريكي – الإيراني ومعركة موازين القوى في مضيق هرمز، والتي يعتبر أنها ستكون العامل الحاسم في رسم مستقبل لبنان والمنطقة.




