مقالات رأي

بين «اختبار النتيجة» والفيتو «الإسرائيلي»: الفروق الجوهرية بين ملحقي 17 أيار و26 حزيران السريّين

 

حسن حردان

أعادت التسريبات الأخيرة التي سمحت الرقابة العسكرية “الإسرائيلية” بنشرها عبر وسائل إعلام عبرية بارزة (مثل القناة 12 وموقع المحدّش وصحيفة بحدري حريديم)، تسليط الضوء على كواليس “الملحق الأمني السري”، المرفق باتفاق 26 حزيران الإطاري، الثلاثي شكلاً، و”الإسرائيلي” مضموناً أحادياً، الموقع في واشنطن.
هذه التسريبات لا تكشف فقط عن شروط ميدانية بالغة الصرامة فُرضت على الجانب اللبناني، بل تفتح الباب واسعاً أمام مقارنة تاريخية حتمية مع “اتفاق 17 أيار” المشؤوم عام 1983. ورغم أنّ الحدثين يفصلهما أكثر من أربعة عقود، وجاءا كحاصل تدميري لعدوان واجتياح عسكري “إسرائيلي” واسع، إلا أنّ التدقيق في تفاصيل الملحق الحالي يكشف عن تحوّل جذري في العقيدة الأمنية لكيان الاحتلال الإسرائيلي: من البحث عن “التطبيع السياسي المفخخ” إلى فرض “السيادة الأمنية المطلقة”.

أولاً: تشريح
الملحق السري لعام 2026
وفقاً للتقارير العبرية، فإنّ الملحق بقيَ طيّ الكتمان ولم يُنشَر على المنصات الرسمية لوزارة الخارجية الأميركية بناءً على رغبة وإلحاح من الحكومة اللبنانية؛ لتفادي ضغوط سياسية وأمنية داخلية من قِبل حزب الله وحلفائه. (حسبما ذكرت)، وتتمحور خطوطه العريضة حول أربعة ارتكازات خطيرة:
الركيزة الأولى، إسقاط الجداول الزمنية (“اختبار النتيجة”): نصت المادة الرابعة من الملحق على عدم وجود أيّ انسحاب تلقائي أو آلي لجيش الاحتلال “الإسرائيلي” من جنوب لبنان، بل ربطت إعادة التموضع بـ “تقييم الأداء الميداني” ومدى نجاح الجيش اللبناني في تحقيق الأهداف الأمنية.
الركيزة الثانية، شرعنة حركة الاحتلال داخل “الخط الأصفر”: منح الملحق كيان الاحتلال حرية عملياتية مطلقة (برية وجوية) للتدخل العسكري المباشر داخل “المنطقة الأمنية” لإحباط أيّ “تهديدات ناشئة”، دون أن يُعتبَر ذلك خرقاً للاتفاق.
الركيزة الثالثة، تقزيم السيادة بـ “المناطق التجريبية”: حصر الملحق خطة انتشار الجيش اللبناني و”تفكيك سلاح حزب الله” في منطقتين تجريبيتين فقط، (تبيّن أنهما غير خاضعتين للاحتلال وهما قريتا فرون وزوطر الغربية) مع إعطاء “إسرائيل” حق “الفيتو” الصريح ضدّ توسيع هذه المناطق مستقبلاً دون موافقتها.
الركيزة الرابعة، التوجّس من “المناورة الإيرانية” عبر واشنطن: تبرز التحليلات العبرية قلقاً أمنياً من “قيام طهران باستغلال كواليس هذا الملحق كقناة خلفية للتفاوض مع إدارة ترامب، ومقايضة هذا الملف بملفات إقليمية أو نووية للضغط على “إسرائيل” وفرض “انسحاب كامل”. حسبما ورد في المقالات التحليلية الإسرائيلية.

ثانياً: الفروقات بين ملحقي 17 أيار و26 حزيران
عند وضع وثيقة 26 حزيران 2026 في مواجهة اتفاق 17 أيار 1983، يمكننا تلمّس الفروقات الجوهرية والتحولات الاستراتيجية عبر المستويات التالية:
1 ـ من “الانسحاب المجدول” إلى “الانسحاب المشروط”
في 17 أيار 1983: كان الاتفاق محكوماً بإطار زمني واضح وصارم (من 8 إلى 12 أسبوعاً) يربط الانسحاب “الإسرائيلي” بانسحاب القوات السورية والفلسطينية. كان هناك التزام قانوني متبادل.
في ملحق 2026: غابت الجدولة الزمنية تماماً. العبارة المفتاحية هنا هي “اختبار النتيجة”؛ حيث تحوّلت “إسرائيل” من “شريك في اتفاق دولي” إلى “حَكَم ومُقيّم” للأداء اللبناني. الانسحاب هنا ليس واجباً قانونياً، بل “مكافأة” تُمنح بناءً على رضا المحتلّ الإسرائيلي، مما يشكل انتهاكاً سافرا للسيادة الوطنية.
2 ـ مفهوم السيادة: من “اللجان المشتركة” إلى “الحرية المطلقة”،
في 17 أيار 1983: رُسمت منطقة أمنية قيّدت تحرك الجيش اللبناني، لكن أيّ توغل إسرائيلي لاحق كان يتطلب تفعيل آليات تنسيق مشتركة (لجان ومراكز تحقق).
في ملحق 2026: ألغى بند “الخط الأصفر” مفهوم السيادة اللبنانية عملياً في تلك المنطقة. الملحق يمنح “إسرائيل” ما يشبه “السيادة الأمنية الفوقية”، محوّلاً التدخل العسكري الإسرائيلي من “خرق دستوري” إلى “حق مشروع ومُتفق عليه”.
3 ـ دور الدولة اللبنانية: الشمولية مقابل “حقل التجارب”
في 17 أيار 1983: كان الطموح (وإنْ كان غير واقعي) هو بسط سلطة الدولة والجيش على كامل الأراضي اللبنانية دفعة واحدة لإنهاء المظاهر المسلحة بمؤازرة دولية.
في ملحق 2026: جرى تقزيم دور الدولة عبر تفتيت جغرافية الجنوب إلى “مناطق تجريبية”. والأخطر هو “الفيتو الإسرائيلي” الذي يجعل تمدّد الجيش اللبناني وبسط سلطته مرهوناً بالموافقة الإسرائيلية، وليس بقرار سيادي ينبع من الحكومة اللبنانية.
4 ـ من “العلنية الدستورية” إلى “درع السرية،”
في 17 أيار 1983: سلك الاتفاق مساراً علنياً دستورياً، ومَرّ عبر البرلمان اللبناني، مما وفّر “هدفاً واضحاً” للمعارضة الوطنية اللبنانية بدعم من سورية لإسقاطه شعبياً وعسكرياً في شباط 1984.
في ملحق 2026: تحوّلت “السرية” بطلب لبناني إلى أداة لحماية السلطة الرسمية من “الفيتو الداخلي” لحزب الله وحلفائه، هذا الهروب إلى السرية يعكس اعترافاً رسمياً بعجز الدولة عن تسويق بنود تمسّ جوهر الدستور والسيادة، واعتماد خيار تسمّيه “أهون الشرين” لوقف الحرب.
5 ـ العامل الإقليمي: من دمشق إلى طهران
في 17 أيار 1983: كانت سورية هي القوة الإقليمية المدعومة من الاتحاد السوفياتي لإفشال الهيمنة الأميركية في المنطقة، ونجحت مع حلفائها في القوى الوطنية اللبنانية في إسقاط الاتفاق .
في ملحق 2026: انتقلت العقدة الإقليمية بالكامل إلى إيران. والمفارقة التاريخية هنا هي التوجّس “الإسرائيلي” من حليفتها واشنطن (إدارة ترامب)؛ إذ تخشى تل أبيب أن تُباع مكاسبها الميدانية وشروطها الصارمة في الجنوب اللبناني ضمن “صفقة كبرى” تبرمها واشنطن مع طهران تشمل الملف النووي. وتكرّس نفوذ إيران الإقليمي.

خلاصة القول: إذا كان اتفاق 17 أيار لعام 1983 قد صُنّف في التاريخ السياسي على أنه محاولة لفرض “سلام إذعان سياسي وتطبيع رسمي” وفشل لعدم واقعيته؛ فإنّ الملحق السري لعام 2026 هو “صكّ ترتيبات إجرائية وأمنية فائقة الصرامة”.
يبدو أنّ “إسرائيل” في عام 2026 لم تعد تبحث عن اعتراف ديبلوماسي أو توقيع برلماني لبناني، بل عن سيطرة أمنية حصلت عليها بانتزاعها “تفويضاً أمنياً عملياتياً” يمنحها حق التدخل الدائم، ويقيّد حركة الدولة اللبنانية بفيتو مباشر. هذا الواقع يجعل الهدف الاسرائيلي الرئيسي، وهو تجريد المقاومة من سلاحها، خاضعاً لابتزاز ميداني مستمر، ومفتوحاً على كلّ الاحتمالات الجيوسياسية في المنطقة…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى