قمة البيت الأبيض المشروطة بأجندة «أميركا أولاً» وتداعياتها على مستقبل نتنياهو

حسن حردان
جاء اللقاء الذي جمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب برئيس وزراء العدو الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض، بحضور نائب الرئيس جي دي فانس، ليمثل محطة مفصلية وفارقة في مسار العلاقات الاستراتيجية بين واشنطن وتل أبيب. فعلى وقع أزمات إقليمية عاصفة وتحديات سياسية داخلية خانقة يعيشها الطرفان، تكفلت الصحف والدوائر التحليلية في الولايات المتحدة بسبر أغوار هذه القمة، لتكشف عن تحوّل عميق في طبيعة التحالف الثنائي؛ من شراكة مطلقة بلا قيود إلى علاقة محكومة بصرامة بأجندة “أميركا أولاً”.
أولاً: قراءة في كواليس القمة…
ضبط الإيقاع لا تجديد “شهر العسل”
أجمعت التحليلات الصحافية الأميركية على أنّ قمة واشنطن لم تكن احتفالاً بتوافق الرؤى، بل عملية “إعادة ضبط قسري” لإيقاع التحالف. فبعد شهور من التنسيق العسكري المشترك، برزت فجوات استراتيجية عميقة بين رغبة نتنياهو المستمرة في توسيع دائرة التصعيد العسكري الشامل (لا سيما ضدّ إيران وحلفائها)، وبين استراتيجية إدارة ترامب التي باتت تضع نصب أعينها التهدئة الإقليمية، صياغة الصفقات الدبلوماسية، واحتواء تداعيات الأزمات الاقتصادية عشية الانتخابات النصفية الأميركية.
ولم يكن حضور نائب الرئيس جي دي فانس اجتماع الطاولة المستديرة عابراً، بل جاء رسالة واضحة ومباشرة. فـ فانس، المعروف بمواقفه الحادة والرافضة لأيّ مطابقة تلقائية بين المصالح الأميركية و”الإسرائيلية”، يجسّد التيار الواقعي والبراغماتي داخل الإدارة الذي يرى أنّ التمادي “الإسرائيلي” يضرّ بالأمن القومي والاقتصادي للولايات المتحدة. حضور فانس فُسّر صحافياً على أنه ضمانة لالتزام نتنياهو بالخطوط الحمراء الأميركية، وعدم السماح لتل أبيب بجرّ واشنطن إلى مستنقع حرب إقليمية مفتوحة تُجهض المساعي الدبلوماسية للبيت الأبيض.
ثانياً: تداعيات نتائج الزيارة
على مسارات الأحداث في المنطقة
فرْض البيت الأبيض لإيقاعه في هذا الاجتماع سيترك انعكاسات بالغة الأهمية على خارطة الصراع الإقليمي:
ـ تغليب المسار الدبلوماسي والتهدئة: إنّ الخضوع النسبي لنتنياهو للجدول الزمني والرؤية الأميركية يعني انحساراً محتملاً لخيارات الحرب المفتوحة، لصالح تسويات إقليمية واهتمام أميركي بإغلاق ملفات التوتر المشتعلة في الخليج ولبنان.
ـ تقييد الحركة الاستراتيجية “الإسرائيلية”: أدركت حكومة نتنياهو بوضوح أنّ الدعم الأميركي لم يعد “شيكاً على بياض”، وأنّ أيّ محاولة لإفشال الترتيبات الإقليمية الكبرى التي تقودها واشنطن ستواجَه بصدام مباشر مع إدارة ترامب، مما سيكلف تل أبيب أثماناً باهظة على المستويات العسكرية والسياسية الدولية.
ثالثاً: نتنياهو في الداخل الإسرائيلي
مأزق الضعف وتآكل الصورة القوية
تنعكس نتائج هذه الزيارة بشكل مباشر ومصيري على المستقبل السياسي لبنيامين نتنياهو عشية الاستحقاق الانتخابي المقبل في كيان الاحتلال “الإسرائيلي”:
1 ـ فقدان ورقة “الاحتكار الحصري” للعلاقة مع واشنطن: طالما استند نتنياهو طوال تاريخه السياسي إلى الترويج لقدرته الفائقة والفريدة على تطويع الإدارات الأميركية وقيادة السياسة الخارجية لواشنطن من تل أبيب. غير أنّ ظهورَه بصورة التابع للرؤية الأميركية، والمضطر لتلقي الإملاءات وضبط النفس، يجرّده من هذه الورقة الرابحة ويُضعف صورته كزعيم “قوي لا يُرد له أمر”.
2 ـ ازدواجية الضغوط (الداخلية والخارجية): يواجه نتنياهو ضغوطاً غير مسبوقة؛ فمن جهة تطالبه المعارضة والشارع “الإسرائيلي” بتقديم تنازلات تضمن الاستقرار وتمنع العزلة، ومن جهة أخرى يواجه اتهامات بفقدان السيطرة على أهمّ تحالف استراتيجي لـ “إسرائيل”. هذا التآكل في الدعم وانعكاساته على الداخل يضعف موقفه الانتخابي ويجعله أكثر عرضة للمساءلة والمحاسبة السياسية.
خلاصة القول، خرج نتنياهو من قمة واشنطن محمّلاً برسائل أميركية حاسمة ومقيّدة لحركته، ليدخل الميدان الانتخابي “الإسرائيلي” بمعطيات بالغة التعقيد، حيث لم تقتصر خسائره على الميدان الاستراتيجي فحسب، بل امتدّت لتطال هيبته السياسية التي طالما ركّز عليها لضمان البقاء في السلطة…
