الدكتور فريد أَبو سليمان الشاهد الأَكبر على نُور الحق الآتي من البعيد!

ماجد مهدي
كنتُ في السادسة عشرة من عمري عندما تعرَّفتُ إلى الطبيب الدكتور فريد أَبو سليمان. وقد تمَّ لقائي الأَوَّل به، عام ١٩٦٥، في منزل الدكتور داهش القائم في منطقة “القنطاري” القريبة من وسط بيروت، أَعقبَته لقاءَاتٌ أُخرى كثيرة في عيادته القائمة عند أَحد مداخل “ساحة الشُّهداء” في بيروت، وبالتحديد في الطابق الأَوَّل من “بناية روكسي” الشهيرة.
كنتُ، آنذاك، طالبًا في ثانويَّة زحلة الرسميَّة للبنين. وكان الدكتور داهش حديثَ الأَساتذة والطلبة فيها، يتناقشون في موضوع المُعجزات التي كانت تَجري على يديه من أَجل إثبات حقيقة وجود اللَّه تعالى، ووجود الروح وخلودها، وحقيقة مبدإ الثواب والعقاب الإلهيَّين، وفي أَمر كتاباته الأَدبيَّة، ومبادئه الروحيَّة السامية المُنادية بالعودة إلى الإيمان الصحيح باللَّه، وبأَنبيائه، ورسالاته المُنزلة، والمُناهضة للتعصُّب الدينيِّ والمذهبيِّ. وكان من الطبيعيّ أَن يحتدم النقاش، وينقسم الأَساتذة والطلبة فئتين: فئةٍ مُتحرِّرة تؤَيِّدُ الدكتور داهش في أَفكاره وطروحاته وأَهدافه، وتعتبرها لخير الإنسانيَّة جمعاء، وفئةٍ مُتزمِّتة تقفُ منه ومنها موقفًا عدائيًّا يغذِّيه التعصُّب، ويفتقرُ إلى الموضوعيَّة.
وكان قد قُيِّض لي، قُبيل تلك الفترة بأَشهرٍ قليلة، أَن أَطَّلع على مقابلاتٍ ثلاث أَجرَتها ونشرَتها جريدة “النهار” في مُلحقها الأُسبوعيّ، وجريدة “الجريدة”، ومجلَّة “الأُسبوع العربي”. وقد استرعَت تلك المقابلات اهتمامي، نظرًا لما تمتَّعَت به من موضوعيَّةٍ وصدق في تقديمها للحقيقة عن الدكتور داهش ودعوته الروحيَّة. وقد كانت سببًا في وقوفي إلى جانب الطلبة المؤَيِّدين لهما في الثانويَّة، وفي سعيي إلى زيارة الدكتور داهش للتعرُّف إليه عن قُرب، ومشاهدة خوارقه، والاستماع إليه مباشرةً في كلِّ ما يتعلَّقُ بمعجزاته وأَدبه وفكره.
وقد تمَّ لقائي الأوَّل به في منزله الجميل الذي كان يغصُّ باللوحاتُ الفنِّيَّة المُبدعة والكتب على اختلاف أَنواعها. وأَجرى الدكتور داهش أَمامي عددًا من معجزاته التي مَنَّ اللَّه بها عليه، وشرح لي ببساطةٍ تامَّة الغاية من حدوثها. ثمَّ قدَّم لي بعضًا من مؤَلَّفاته الأَدبيَّة، بما فيها كتاباهُ الرائعان “ضجعةُ الموت أَو بين أَحضان الأَبديَّة”، و”جحيم الدكتور داهش”، وكتبَ في الصفحة الأولى من كلٍّ منها إهداءً خاصًّا بي، وذيَّله بتوقيعه.
بعد ذلك، دخل علينا الدكتور فريد أَبوسليمان، فتعارفنا. ثمَّ طفق يُحدِّثُني عن كيفيَّة تعرُّفه بالدكتور داهش، واعتناقه لمبادئه، وعن مواقفه الداعمة له في مواجهة أَعدائه ومُضطهديه، وعلى رأسهم رئيسُ الجمهوريَّة اللبنانيَّة بشاره الخوري (١٩٤٣-١٩٥٢) وزوجتُه لور شيحا، وشقيقُها ميشال شيحا، وهنري فرعون، وسواهم من المُفترين الظَّلَمة الذين شاركوا في اضطهاد الدكتور داهش في أَربعينيَّات القرن العشرين…
والحقُّ الذي يجبُ أَن يُقال هو أَنَّ الدكتور داهش كان، في أَثناءِ تلك الجلسة، مثالاً فريدًا في اللطف والكياسة والتواضع وحُسن التحدُّث! وكان كشمس الهداية، همُّه الوحيد أَن يُبدِّد الظُّلمة الطاغية، ويَنشُر النُّور في كلِّ مكان! وكان، بمُعجزاته، كمَن يُضيءُ الطريق إلى اللَّه! ولقد بتُّ أَعتبرُ ذلك اليوم الذي رأَيتُه فيه، وجالستُه مُستمعًا إليه، ومُتحدِّثًا معه، من أَسعد أَيَّام حياتي وأَجملها!
أَما الدكتور فريد أَبو سليمان، فقد بدا لي إنسانًا مُحبًّا، طيِّبًا لا يعرفُ البُغض، وصادقًا لا يعرفُ الخداع، ومؤمنًا باللَّه عظيم الإيمان، يسعى إلى هداية الناس، وإلى التقريب بين أَهل الأَديان، وإلى تعريفهم بالحقائق الداهشيَّة! وقد كان الشاهد الأَكبر على خوارق الدكتور داهش، وعلى نُور الحقِّ الآتي من البعيد. والجدير بالذكر أَنَّ لقاءَاتي به قد تكرَّرت، في عيادته الطبِّيَّة، وفي منزل الدكتور داهش، وأَحيانًا خارج لبنان، على مدى ثمانيةٍ وثلاثين عامًا كان فيها نِعْمَ الأَخ المُحبَّ النَّصُوح، واليدَ البيضاء التي تمتدُّ للمساعدة، والصوتَ الصارخ بالحقّ في صحراءِ هذا العالَم الظالم!
ثَمَّة الكثيرُ الكثير ممَّا أُحبُّ أَن أَقوله في هذا الأَخ الودود، وممَّا أَودُّ أَن أَنشرهُ من أَعماله ومآتيه الخالدة. حسبي في هذا المقال الأَوَّل عنه أَن أَنشر مقدِّمةً له كتبها لكتاب “إبتهالات خشوعيَّة” للدكتور داهش. ففي مقدِّمته تلك، يكشفُ لنا عن إيمان الدكتور داهش العظيم باللَّه، ويجعلُنا نتلمَّسُ خضوعه لمشيئته، ونرى وجهه الأَمثل وهو بين يدَي اللَّه، مُتطلِّعًا إلى سماواته، وضارعًا إليه، ومُتشوِّفًا إلى لقائه في فراديسه السرمديَّة الخالدة!
ماجد مهدي
كاتب لبناني مقيم في كندا


الدكتور داهش في وقْفَة تأَمُّليَّة خُشوعيَّة

الدكتور فريد أَبو سليمان الشاهد الأَكبر على نُور الحق الآتي من البعيد!







مقتطفات من كتاب إبتهالات خشوعيَّة








