مقالات رأي

عقدة واشنطن الحرجة…

 

حسن حردان

تتداخل الملفات الإقليمية والدولية بشكل معقد لتشكل اختباراً قاسياً أمام الإدارة الأميركية؛ فما بدأ كأزمة عسكرية في الخليج ومضيق هرمز تحوّل إلى ورقة ضغط سياسي واقتصادي تحاصر البيت الأبيض مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية. ولم يعد التحدي مقصوراً على مجرد فتح ممر مائي أو خفض أسعار المحروقات، بل بات محكوماً بمعادلة بالغة الصعوبة تجمع بين إصرار طهران وشروطها، ترابط الجبهات الإقليمية، ومخاطر الصدام مع اللوبي “الإسرائيلي”.

1 ـ معضلة أسعار الطاقة
ومأزق الحزب الجمهوري
تعاني إدارة دونالد ترامب ضغطاً شعبياً واقتصادياً هائلاً نتيجة بقاء أسعار الوقود مرتفعة، وهو ما يثقل كاهل الناخب الأميركي.
اختناق الملاحة: أدى استمرار تعطل الملاحة وإغلاق مضيق هرمز إلى بقاء أسواق الطاقة في حالة توتر دائم.
عجز العصا الاقتصادية: الاعتماد على حزم “الإقصاء المالي” والعقوبات القصوى لم يفلح في كسر الإرادة الإيرانية التي تتمسك بشرطها الأساسي؛ وهو العودة الأميركية الكاملة للالتزام بنص مذكرة تفاهم إسلام آباد كشرط مسبق لا غنى عنه لإعادة فتح المضيق أمام حرية الملاحة.

2 ـ سقوط وهم “الساحات المنفصلة”
إنّ أيّ تفكير أميركي بالنزول عند متطلبات فتح المضيق لإرضاء الناخب والأسواق يصطدم بشمولية الاتفاق السابق؛ فمذكرة إسلام آباد نصت صراحة على وقف العمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما فيها الجبهة اللبنانية.
هذا يعني أنّ ترامب لا يمكنه منح “إسرائيل” غطاءً مطلقاً أو حرية حركة واسعة ومفتوحة في لبنان دون أن ينسف أي تفاهم محتمل مع طهران.
بالتالي، فإنّ أيّ تسوية في هرمز تفرض على واشنطن بالضرورة كبح جماح نتنياهو وضبط إيقاع التصعيد، وإلا فإنّ انهيار التهدئة الإقليمية سيعيد أزمة النفط إلى نقطة الصفر.

3 ـ معضلة “أيباك”:
حسابات اللوبي وصناديق الاقتراع
هنا تبرز العقدة الأشدّ حساسية؛ فالضغط المطلوب على نتنياهو لفرض التهدئة لا يواجه فقط جموح اليمين “الإسرائيلي” الحاكم، بل يرتطم بأقوى الحلفاء الماليين للجمهوريين، وهي لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (أيباك).
إنْ ضخ “أيباك” ولجانها المليارات والدعم اللوجستي لمرشحي الحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية يجعل أيّ صدام حاد بين البيت الأبيض وتل أبيب مغامرة بتمويل الحملات الانتخابية.
يجد ترامب نفسه محاصراً: إما إرضاء اللوبي ونتنياهو وترك الإقليم مشتعلاً ليواجه عقاب الشارع الأميركي بسبب غلاء المعيشة، أو الانحياز للناخب وممارسة ضغط قاسٍ على “إسرائيل” لإحياء المذكرة، مما يعرّضه لغضب أقوى لوبي ضغط في واشنطن.

4 ـ الموقف الإيراني الحاسم:
لا تنازل عن شروط المذكرة
رغم حاجة إدارة ترامب الماسة لـ “صدمة إيجابية” تنزل الأسعار وتنقذ حظوظ حزبها، إلا أنّ طهران تحافظ على صلابة موقفها؛ فهي ترفض تقديم تنازلات مجانية أو الاكتفاء بترتيبات تقنية مؤقتة، وتصر بوضوح على أنّ فتح المضيق مرهون حصرياً بعودة واشنطن الملزمة لالتزامات مذكرة إسلام آباد ورفع الحصار الشامل.

خلاصة تحليلية
تضع هذه المعطيات إدارة ترامب أمام حائط مسدود: فالتسوية التوافقية أو “الصيغة الرمادية” باتت متعثرة أمام صرامة الشروط الإيرانية، والرضوخ لشروط طهران يهدّد بالاصطدام بغضب “أيباك” وصقور اليمين الإسرائيلي، بينما المكابرة واستمرار الإغلاق يعرّض الحزب الجمهوري لعقاب جماعي من الناخبين في صناديق الاقتراع بسبب أزمة الطاقة وارتفاع الأسعار. وأمام هذا المأزق، قد يضطر ترامب في نهاية المطاف لتغليب البراغماتية الاقتصادية والنزول عند الشروط الضرورية لإنقاذ مستقبله السياسي، متحمّلاً في سبيل ذلك كلفة ترويض حلفائه في تل أبيب واللوبي الداعم لهم…
هكذا نجحت طهران في تحويل “مضيق هرمز” إلى ورقة خنق استراتيجي وميزان ذي كفة راجحة، تُدار من خلاله المعركة السياسية والاقتصادية والانتخابية برمتها في واشنطن.
ومن خلال الإمساك بهذا المفتاح الحساس، تضع إيران الإدارة الأميركية أمام مأزق تاريخي لا تفيد فيه سياسة “حافة الهاوية” ولا العقوبات العابرة؛ إذ تجد إدارة ترامب نفسها مجبرة على المفاضلة بين خيارات كارثية…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى