استراتيجيات وتقارير

عقلية ” ما بعد الطوفان”

عوز بن نون
كانت إحدى أوراق بنيامين نتنياهو الرابحة على مر السنين كما تجلّت في حملة “نتنياهو: عصبة أخرى” والتي ظهر فيها وهو يصافح قادة العالم. وفي نظر الإسرائيليين، تُعدّ إحدى الصفات الأساسية لرئيس الوزراء، إلى جانب إتقان اللغة الإنكليزية والتقاط الصور مع قادة العالم، هي إدراكه لأهمية الساحة الجيوسياسية وتأثيرها الحاسم على وجودنا، وأنّ من يقودها يجب أن يفعل ذلك بحكمة وعمق ورؤية طويلة الأمد.
صدر هذا الأسبوع، تصريح يتفق عليه معظم الإسرائيليين، ولكنه في نظري يشكل أصل كل المفاهيم الخاطئة: “في هذه الانتخابات، يجب أن تصوّتوا لمن يعرف كيف يستغلّ العامين الأخيرين من حكم ترامب.”
أتفهم تماما أهمية اغتنام الفرص، لكن هذا التصوّر، وسلوك إسرائيل في السنوات الأخيرة عموما، يُناقض الاستراتيجية تماما. هذه عقلية “ما بعد الطوفان”: نهج قصير النظر وعفا عليه الزمن، يكشف أننا ببساطة لا نملك أي خطة بعد ترامب. دولة إسرائيل أشبه بسفينة في مياه عاصفة. من بين العقبات التي تعترض طريقها التغيّر الديموغرافي في نسبة الشعب الصهيوني، والأخرى اتساع الفجوة والتراجع الحاد في الدعم لإسرائيل عالميا، وفي الرأي العام الأمريكي خصوصا.
في إسرائيل، يميل الناس إلى الحديث عن زوهران ممداني. من السهل علينا تصنيف هذه الظاهرة، ومن الأسهل بكثير التعامل مع شخصية من الواضح أنها ليست في وضع يسمح لها بتغيير رأيها أو التعاون معها. لكن هذه السهولة تُعفينا من عناء إدارة اللعبة المعقدة، ومن إدراك أن شخصيات أكثر تعقيدا وتحديا تقف امانا.
بعد ترامب، تتسع دائرة القيادة المحتملة في الولايات المتحدة وتتنوع: من جيه دي فانس، الذي قد يكون تحديا خطيرا، ومن اتجاهات انفصالية مختلفة تماما، إلى ماركو روبيو، الذي قد يكون الخيار الأنسب لنا، ولكنه أقل ملاءمة مما يتصوره الإسرائيليون، إلى شخصيات مألوفة مثل غافين نيوسومن إلى أسماء أقل شهرة في إسرائيل، مثل السيناتور اليهودي من جورجيا، جون أوسوف، الذي يشبه أسلوبه الخطابي أسلوب أوباما، ويروّج لمعادلة تؤكد على التحالف مع إسرائيل، ولكنه يدعو إلى الحد من المساعدات والأسلحة المقدمة لها عند الضرورة. سيتعين على كل واحد من هؤلاء التصرف أمام الرأي العام الأمريكي الذي ينتقد إسرائيل بشدة.
هذه ليست دعوة لليأس أو الإحباط، بل دعوة إلى تحمل المسؤولية. إسرائيل ليست دولة ضعيفة أو عاجزة. إنها ببساطة دولة قيادتها أسيرة لدور الضحية واللامبالاة المزمنة. ميزان القوى في العالم لعبة، نادراً ما نلعبها. ما كان يُنظر إليه في السابق على أنه هبة كاملة، وصعود ترامب إلى السلطة، يتضح اليوم أنه وضع أكثر تعقيداً، وفترة، قد تتركنا عند انتهائها، بلا بوصلة ولا إجابة. وما كان يُنظر إليه على أنه “هجمات دعائية” – تغريدات ومقاطع فيديو غير مسؤولة من مسؤولين منتخبين – أصبح ظاهرة يومية تؤثر على الرأي العام ضدنا.
بدلاً من الانجرار وراء الرأي العام العالمي ومحاولة تقليل الضرر، وهو أمرٌ صعبٌ للغاية، يجب أن نتصرف كدولة تُحدد بوضوح ما تريد أن تكون عليه، وتستمد من ذلك استراتيجية منهجية. لا دولة صغيرة أخرى تتوسل أن تكون مفهومة. بل دولة قوية تُدرك ما يجب أن تقوله للعالم.
وبدلاً من العيش وكأن لا غد على الصعيد الدبلوماسي، يجب على مواطني إسرائيل أن يطالبوا القيادة بخطة عمل طويلة الأمد: استغلال سنوات الوفرة القليلة المتبقية للاستعداد لسنوات الجوع التي تُخيّم علينا. التخلي عن عقلية الضحية وتبني نهج استباقي وفعّال وسيادي، حتى في المجال الدبلوماسي. خطة استراتيجية، وآلية دبلوماسية فعّالة، وقيادة مسؤولة، هي ما نحتاجه اليوم. استعدوا، فالوضع سيكون عاصفاً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى