أَهلُ الفكر عندما يُصبحُون دُعاة تكفير! (٦)

ردٌّ على أَكاذيب الكاتبة فاتن فاروق عبد المنعم
وافتراءَاتها الباطلة على الدكتور داهش وأَدبه وفكره
الجزءُ السادس
*ماجد مهدي
لقد ردَدْتُ في المقالات السابقة من هذه السلسلة على بعضٍ من التُّهم التي أَلصقَتْها الكاتبة فاتن فاروق عبد المنعم بالدكتور داهش وعقيدته الفكريَّة ومُريديه، زُوْرًا وبُهْتانًا، ضمن مقالتها المنشورة في موقع “الأَنطولوجيا الأَدبيّ”، مُرفِقةً إيَّاها بنُعُوتٍ مُشينةٍ بحقِّهم، ضاربةً عُرض الحائط بكلِّ القواعد الأَدبيَّة والأَخلاقيَّة المتعارف عليها في النقد والمناقشة. وقد قدَّمتُ الأَدلَّة القاطعة على بُطلان تلك التُّهم، على أَن أُتابع الردّ على كلِّ ما تبقَّى منها، إلى أَن تسقط جميعُها بالضربة القاضية، ذليلةً مُهانة في حضرة الحرِّيَّة الفكريَّة والحقيقة والعدالة والمُثُل العُليا وقِيَم الخير، وأَمام قرَّاء تلك المقالة السوداويَّة، وأَعين المتابعين للمداخلة النقديَّة التي قدَّمَتها الكاتبة في “صالون سالمينا الثقافيّ”، والمُدرجة بالصوت والصورة على الإنترنت. وغنيٌّ عن القول أَنَّ كلَّ ما نطقَت به، وكلَّ ما دوَّنَته بقلمها، في شأن الدكتور داهش، ما هو إلاَّ تجنٍّ واضحٍ فاضحٍ منها عليه، مع العلم بأَنَّ شخصه وعقيدته وأَدبه لم يكونوا موضوع المناقشات في ذلك المُنتدى الأَدبيّ. وهذا التجنِّي يدينُها بانتهاك حرِّيَّة الرأي والتفكير، وبالتطاول على الكرامات. فمقالتُها تلك ليس فيها أَيُّ أَثرٍ للنقد الأَدبيّ، ولا للأَدب والفكر؛ وهي مقالةٌ “تكفيريَّةٌ” بامتياز، عنوانًا ونصًّا، وما كان لقلمٍ تكفيريٍّ ظلاميّ مُنغمسٍ في التعصُّب الدينيّ والمذهبيّ، ومُعادٍ للحرِّيَّات، أَن يُنتجَ أَدبًا أَو فكرًا حرًّا نيِّرًا يُسهمُ في تقدُّم الإنسانيَّة وارتقائها.
ففي جانبٍ من تلك المقالة، نسبَتْ الكاتبة إلى الدكتور داهش القيام بتحضير الأَرواح، قائلةً: “لا يفتأُ الراوي العليم يُحدِّثُنا عن تحضير الأَرواح وذِكْرٍ لأَسماءِ المشاهير من مختلف النُّخب حتَّى ولو كانوا نُخبًا دينيَّة، وكأَنَّ ذِكرَ هؤلاء يُعطي شرعيَّةً لعقيدة الشيطان… وهل هذا مُسوِّغٌ لصدق دعوته وهو الزائفُ المُزيَّف؟!” ثمَّ تتابعُ قائلةً: “أَمَّا ما يُسمَّى زُورًا وبُهتانًا بجلسات تحضير الأَرواح، فهي ليست إلاَّ من أَفعال السَّحرة الذين مارسوا الكُفر على أَعين الجنّ…” وجوابي على كلامها العقيم السقيم هو أَنَّ الراوي العليم الذي استندَتْ إلى مقولته، من دون أَن تُعرِّفَ به أَو تُشيرَ إلى اسمه، ما هو في الحقيقة إلاَّ راوٍ كاذب، على شاكلتها، لا ينطقُ كلمةً واحدةً بالحقّ، ولا يؤمنُ باللَّه، ولا يخشى عدالته. فالدكتور داهش لم يكنْ يؤمنُ يومًا بأَنَّ الروح تَخضعُ لإرادة البشر، ولم يكنْ يُصدِّقُ مطلقًا بما يدَّعيه البعض من القدرة على تحضير الأَرواح. وكان يسخرُ من المُصدِّقين بمثل تلك التدجيلات، ويدعِّمُ اعتقاده بالآية القرآنيَّة الكريمة القائلة: “ويسأَلونكَ عن الروح قُل الروحُ من أَمر ربِّي، وما أُوتيتُم من العلم إلاَّ قليلا.” (سورة الإسراء: آية ٨٥). ولطالما كان يُردِّدُ تلك الآية على مسامع زائريه من رجال العِلم والأَدب والدِّين والفنّ والسياسة والصِّحافة، تأكيدًا على رفضه المُطلق لتلك الأُكذوبة المُسمَّاة “تحضير الأَرواح”. ويُعدُّ هذا الموقفُ الراسخ من موضوع الروح من المُسلَّمات في حياته وفكره الفلسفيّ، ولم يطرأْ عليه أَيُّ تعديلٍ أَو تبديلٍ مع الزمن. وقد عبَّر عنه مُذْ كان في السابعة والعشرين عمره، وذلك في كتابه “كلمات الدكتور داهش”، إذ قال: “الروحُ سرٌّ إلهيٌّ مُوصَد لا يعرفُه إلاَّ خالقُ الأَرواح بإرادته، فمنه أَتَت وإليه تعود.” ولا شكَّ بأَنَّ الأَمر قد اختلط على الكاتبة، بفضل أَكاذيب “راويها العليم”، وأَكاذيب الدكتور الجبَّاس في روايته، فلم تُميِّز بين جلسات تحضير الأَرواح الكاذبة التي أَشارت إليها، والجلسات الروحيَّة التي كان الدكتور داهش يعقدها، والتي كانت تحدثُ فيها معجزاتٌ مُذهلة أَمام حاضريها بهدف إثبات حقيقة وجود اللَّه وعظيم قدرته، ووجود الروح وخلودها، ووجود العالَم الثاني. وقد كان من واجبها أَن تطَّلع على حقيقة تلك “الجلسات الروحيَّة” الداهشيَّة من مصادرها الموثوقة قبل أَن تُطلق الأَحكام جُزافًا عليها، وقبل أَن تستحضر مفاهيمها العفِنة عن الجنّ والسِّحر والعفاريت والشياطين، وتُلقي بها في مُعترك نقدها الأَدبيّ الخنفشاريّ الذي لا يُعرفُ رأسُه من ذنَبه.

الدكتور داهش في منزله في بيروت متوسِّطًا الطبيبَيْن الداهشيَّيْن:
الدكتور جورج خَبْصا عن يمينه والدكتور فريد أَبو سليمان عن يساره
أَمَّا قولُها بأَنَّ الدكتور داهش هو “الزائفُ المُزيَّف”، فهو مردودٌ عليها لأَنَّها هي الأَحقُّ والأَجدرُ به، بلا مُنازع. فال الدكتور داهش، في كلِّ ما كتبه أَو تحدَّث به في حياته، لم يُقوِّل الناس ما لم يقولوه، ولم ينقُلْ عن كتاباتهم ما لم يكتبوه، ولم يرْمِهم بالكُفر وهم في حقيقتهم أَهلُ إيمان، ولم يُهِنْ عِزَّتهم وهم أَعزَّة، ولم يُوجِّه إليهم تُهمًا باطلة وهم قُدوةٌ في العدل والاستقامة، ولم يُلوِّثْ فمَهُ وقلمَهُ وقراطيسه بأَلفاظٍ نابية بحقِّ أَيِّ منهم، مهما ضَؤلَ شأنُه، ولم ينظرْ إليهم بمنظار التعصُّب الدينيّ أَو المذهبيّ أَو العرقيّ أَو التكفيريّ… لكنَّ كلَّ ما لم يُقدِم الدكتور داهش عليه في حياته، مِمَّا سبق ذِكرُه، ومِمَّا لم يُذكَر بَعدُ من شرِّ الأُمور، أَقدمَت عليه الكاتبة فاتن فاروق عبد المنعم باندفاعٍ عظيم، وبكلِّ فخرٍ واعتزاز، مُتَّهمةً إيَّاه به تحت ستار “النقد الأَدبيّ” الذي تدَّعي تمثيله، ومن على منبر “صالون سالمينا الثقافيّ” الذي يُعرِّفُ نفسه كذِبًا بأَنَّه “تجمُّعٌ أَدبيٌّ لكلِّ الآراء من مختلف الاتِّجاهات”… فهي، إذنْ، وحدَها “الزائفةُ المُزيَّفة والمُزيِّفة”… ويا لَلمهزلة المَعيبة!
وادَّعَت الكاتبة، في جُملة ما ادَّعته، أَنَّ الدكتور داهش “وصَف كيف تكون مسيحي داهشيّ، ومُسلم داهشيّ، ويهودي داهشيّ، ودُرزي وبُوذي…” هذا الكلام لم يرِدْ قطُّ على لسان الدكتور داهش، ولا في مؤلَّفاته الأَدبيَّة. فإمَّا أَن تكون الكاتبة قد استمدَّته من رواية الدكتور الجبَّاس الطافحة بالتزوير والأَكاذيب، أَو من مصدرٍ آخر غير موثوقٍ به، وقد لاقى هَواها هَواه في تلفيق التُّهم على الدكتور داهش بغية تشويه صورته الحقيقيَّة. ولعلَّها قد استقَتْه من مُخيِّلتها المريضة، شأنُها في ذلك شأن معظم التُّهم الكاذبة التي بثَّتْها في مقالتها بشكلٍ هستيريٍّ عشوائيّ لا صلة له بالنقد والمناقشة والأَدب والفكر.
أًمَّا المُضحِك في ما أَشارت إليه الكاتبة في مقالتها، وكأَنَّه واحدٌ من اكتشافاتها العظيمة، فهو ما ادَّعته من أَنَّ كتاب “خيال مجنَّح أَو حياة الأَحياء في القمر”، للدكتور داهش، هو جزءٌ من عقيدته، وما هو، في الواقع، إلاَّ كتابٌ تخيُّليٌّ بَحْت. وقد أَدرجَت بعضًا من نصوصه، مُطلقةً كلمات السُّخرية بحقِّها، وما كانت في ذلك إلاَّ مثالاً للغباءِ التامّ، وانعدام المستوى الأَدبيّ والفكريّ.
والجديرُ بالذكر أَنَّ بعض الكتَّاب الآخرين الذين شاركوا في تلك المناقشات، بمَن فيهم صاحبُ “صالون سالمينا الثقافيّ” ومؤسِّسُه، قد نعتُوا الدكتور داهش بأَلفاظٍ مُهينة لا تَليقُ بهم كأَساتذةٍ وأُدباء وروائيِّينَ ونُقَّاد، بل تحطُّ من قَدْرهم وكراماتهم وحدَهم دونه. وقد ظهروا من خلال المداخلات النقديَّة التي قدَّموها حول الرواية وكأَنَّهم جوقةٌ من الشتَّامين الذين جفَّ فيهم نَسْغُ الحياء، وخلَوا من القيَم الأَخلاقيَّة وأَدبيَّات التخاطب، وظهر معهم ذلك الصالون الثقافيّ وكأَنَّه “سوقُ عُكاظٍ” في وجهٍ جديدٍ دميم استُبدل فيه النقدُ الأَدبيُّ البنَّاء بالشتائم المَعيبة، وفي ذلك انتقاصٌ من قَدْره، وإهانةٌ عظيمةٌ لهم! كيف لا وهم قد تجرَّأُوا من خلاله على أَديبٍ ومُفكِّرٍ إنسانيٍّ فَذّ لم يعرفوه حقَّ المعرفة، ولا قرأُوا كتابًا واحدًا له، أَو كتابًا واحدًا عنه جديرًا بالقراءَة، وتطاولوا عليه وهم يَبدُون أَقزامًا قِزامًا أَمام شموخ قامته الفكريَّة وسُموِّ روحه العظيمة! ويقينًا أَنَّ مداخلاتهم النقديَّة العديمة الأَدب التي بثُّوها بالصوت والصورة عبر الإنترنت ستبقى شاهدًا على ظلاميَّتهم، وإدانةً لهم أَمام التاريخ، ولطخةَ عارٍ أَبديّ على جباههم، وعلى جبين الأَدب والفكر!
لكنْ، ومن باب الوفاءِ للحقيقة أَقول إنَّ بعض النقَّاد الذين شاركوا في تلك المناقشات قد حافظوا على روح النقد البنَّاء في أَثناءِ تلك المناقشات، ولم يَنزلقُوا إلى مهاوي الشَّطَط، وحفظوا للدكتور داهش كرامته وحرِّيَّاته، مثلما يحفظون كراماتهم وحرِّيَّاتهم الشخصيَّة، وعلى رأسهم الكاتبُ الشامخُ الهامة والرفيعُ المقام، الأُستاذ حمدي عبد الرازق، الذي أَدار جلسة المناقشات في تلك الندوة، وانبرى للتعقيب على كلام الكاتبة فاتن فاروق عبد المنعم، على الرغم من عدم أَحقِّيَّته في التحدُّث، مُخطِّئًا إيَّاها في كلِّ ما أَدلَت به في مُداخلتها، بجرأَةٍ نادرة، قائلاً:
“إنَّ الأُستاذة فاتن فاروق عبد المنعم قرأَت العمل لتستَخلص منه موقفًا ضدَّه! قرأَتْه لتَبحثَ عن الطعن فيه! فهي قراءَةٌ مُتعسِّفة! وأَنا لا أُحبُّ لأَحدٍ أَن يَحتكرَ الحقيقة، أَو أَن يُجبرَني عليها. والذين يتحدَّثون باسم اللَّه، والذين يتَّخذون الدِّين شعارًا، ويتَّخذون الإسلام زِيًّا، لا يؤمنون بالتعدُّديَّة، إذا رأَوْا فكرًا من هذا النوع. كلُّ الآراءِ الأُخرى في نظَرهم مُخطئةٌ بالضرورة، وهي ضالَّةٌ بدون حسبان.”
ولقد صدَق ذلك الكاتبُ الشَّهم كلَّ الصدق في كلمته التي افتلذَها من ضميره الحرّ، مُعيدًا بها بعض القَدْر إلى ذلك الصالون الثقافيّ بعد أَن فقَده بفعل انعدام الأَخلاقيَّات عند مؤَسِّسه وبعض أَعضائه، وبسبب تباهيهم باستخدام الكلام المُهين، بمن فيهم تلك الكاتبة التكفيريَّة المُعتدية!
فتحيَّةُ إكبارٍ لأُولئك الكتَّاب الأَحرار على ما قدَّموهُ من مِثالٍ في الموضوعيَّة، وآداب المناقشة، واحترام حرِّيَّة الفكر. وتحيَّةُ إكبارٍ خاصَّة، مُرفقَة بالاعتزاز، أَرفعُها للأُستاذ حمدي عبد الرازق الذي شرَّف مصر، والشعب المصريَّ، وأُمَّة العرب، ودُنيا الأَدب والفكر والنقد، بموقفه الحرّ الجريء، المُنزَّه عن الغايات والأَكاذيب والتعصُّب الدينيّ والمذهبيّ والفكريّ، والقاطع كحدِّ السيف! ويقينًا أَنَّ مصر العظيمة، أُمّ الحضارات، تعتزُّ بأَمثاله، وأَنَّ كلمته تلك ستبقى مِثالاً تَقتدي به الأَجيالُ الصاعدة، وإكليلَ غارٍ يُزيِّنُ جبينه وجبين الأَدب والفكر على مرِّ الأَزمنة!… (للمقالة تتمَّة)
* كاتب لبنانيّ مُقيم في كندا

غلاف كتاب “مُذكِّرات يسوع الناصريّ”
لمؤلِّفه الدكتور داهش



