معركة إرادات أميركية ـ إيرانية: أوهام الحسم العسكري وحتمية العودة الى الدبلوماسية

حسن حردان
تجد المنطقة نفسها في تموز/ يوليو 2026 أمام مشهد جيوسياسي بالغ التعقيد، حيث تحوّلت المواجهة الأميركية ـ الإيرانية إلى ما يشبه “حرب استنزاف” مفتوحة، أُسقطت فيها أقنعة التهدئة الهشة التي أنتجتها “مذكرة تفاهم إسلام آباد” لتكشف عن جوهر الصراع: معركة إرادات كبرى لا تقتصر على النفوذ الإقليمي، بل تمتدّ لتطال صلب أمن الطاقة العالمي.
أولاً: فشل الخيار العسكري
و”متلازمة الأربعين يوماً”
لقد أثبتت التجربة العسكرية التي شهدتها المنطقة في الأشهر الماضية، والتي وُصفت بأنها “حرب الأربعين يوماً”، محدودية القوة العسكرية الغاشمة في تحقيق أهداف استراتيجية حاسمة. فبالرغم من الحشد العسكري الأميركي غير المسبوق، لم تنجح واشنطن في كسر اليد الإيرانية على مضيق هرمز أو انتزاع التحكم بحركة الملاحة من طهران، بل أدى ذلك إلى:
*الخيارات المحدودة: وجدت إدارة ترامب نفسها أمام خيارين كلاهما مرّ؛ إما مواصلة تصعيد عسكري مكلف وغير مضمون النتائج، أو العودة إلى مسار تفاوضي بشروط تقوم على رفع سيف التهديد بالحرب والندية وهو ما اضطرت الى القبول به ادارة ترامب.
*عجز الردع: أظهرت إيران قدرة عالية على “المناورة الجغرافية”، محوّلةً ورقة التحكم بالممرات المائية إلى وسيلة ردع فعّالة تجاوزت بها تفوق واشنطن التكنولوجي والعسكري التقليدي.
ثانياً: شروط العودة
للمسار التفاوضي
إنّ العودة إلى طاولة المفاوضات لم تعد خياراً ترفيهياً بل ضرورة فرضتها تكلفة الحرب الباهظة والانقسام السياسي الداخلي في واشنطن. ومع ذلك، فإنّ شروط العودة باتت أكثر تعقيداً من أيّ وقت مضى، وتتمحور حول:
*مقايضات واقعية: يبدو أنّ المفاوضات المقبلة ـ إنْ حدثت ـ ستكون قائمة على مبدأ “الرسوم والجباية” أو “المقايضات الملموسة”، حيث تطالب إيران بالإفراج عن أرصدتها المجمّدة وضمانات حول برنامجها النووي، مقابل السماح بعودة حركة الملاحة في المضيق تحت إدارتها، إضافة طبعاً الى ضمانات بإنهاء الحرب على كلّ الجبهات.
*أزمة الثقة المزمنة: يظلّ العائق الأكبر هو “أزمة الثقة”؛ فإيران تتهم واشنطن بنقض العهود وعدم الالتزام ببنود مذكرات التفاهم، بينما ترى واشنطن في أيّ تنازل “ضعفاً” يشجع طهران على المزيد من التوسع في مطالبها.
ثالثاً: احتمالات الحرب الشاملة
هل تُكسر الخطوط الحمراء؟
في ظلّ انهيار الهدنة، يطرح السؤال الجوهري: هل نحن أمام تكرار لمسار المفاوضات، أم أنّ الأمور ستخرج بالفعل عن السيطرة؟
في هذا السياق نحن أمام واحد من سيناريوَين:
سيناريو “الاستنزاف المضبوط”: تشير أغلب التحليلات إلى أنّ الطرفين لا يزالان يتجنّبان “الحرب الشاملة” التي قد تدمّر مصالح النفط العالمية وتلحق أضراراً كارثية بالاقتصاد العالمي، مما يجعل التصعيد الحالي جزءاً من “عملية خشنة” للضغط بشأن شروط أفضل في أيّ اتفاق مستقبلي.
سيناريو “الانفجار غير المحسوب”: رغم استبعاد الحرب الشاملة كقرار واعي، إلا أنّ الخطر يكمن في “خطأ تقديري” أو حادث ميداني في مضيق هرمز يتجاوز الخطوط الحمراء التي رسمها الطرفان. هنا، قد يجد الجانبان نفسيهما في مواجهة مفتوحة لم يعد أيّ منهما يملك خيار “إيقافها”.
خلاصة القول: إنّ المعركة اليوم هي معركة إرادات بامتياز. إدارة ترامب تحاول استخدام “قوة الضغط” لانتزاع تنازلات، بينما تراهن إيران على “صبر الاستنزاف” وقدرتها على التحمّل أكثر من الولايات المتحدة.. وبما أنّ القوة العسكرية وحدها لم تنتصر، فإنّ العودة للدبلوماسية تبدو حتمية، لكن مع تشدّد وتصلب إيران في شروطها التفاوضية أكثر من السابق…


