ليست لعبة محصلتها صفر: كيف نمنع صراعا إسرائيليا تركيا في سوريا..؟

رصد الاعلام الإسرائيلي
القناة 12:
البروفيسور إيلي فودا: محاضر في قسم الدراسات الإسلامية والشرق أوسطية بالجامعة العبرية.
د: إيتان يشاي: رئيس قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في معهد متفيم.
لا يُعدّ الحديث بين رئيس الموساد، ووزير خارجية سوريا أمرا عاديا. فبعد أيامٍ قليلة من مكالمة هاتفيةٍ بينهما، أجرى الاثنان مكالمةً عبر الفيديو في محاولةٍ لتهدئة التوترات عقب الهجوم الإسرائيلي على قاعدة أبو الظهور الجوية في شمال غرب سوريا.
يعكس هذا الحادث قلق إسرائيل المتزايد إزاء تنامي التدخّل التركي في سوريا. فقد أصبحت أنقرة بالفعل أحد أهمّ شركاء الحكومة السورية الجديدة، حيث تُساعد في إعادة بناء الجيش السوري، وتُدرّب الضباط والجنود، وتستثمر في البنية التحتية، ساعيةً بذلك إلى تحويل تدخلها الطويل الأمد في سوريا إلى نفوذٍ إقليميٍ.
من وجهة نظر إسرائيل، قد يحدّ نشر أنظمة الرادار والدفاع الجوي التركية المتطورة من حرية تحرك القوات الجوية في سوريا ولبنان، ويزيد من صعوبة التصدي للتعزيزات الإيرانية المتجددة أو نقل الأسلحة إلى حزب الله.
لا يمكن تجاهل هذه المخاوف. فالتدخل العسكري التركي في سوريا واقع قائم، ويتزامن مع تدهور حاد في العلاقات بين تركيا وإسرائيل. لا يمكن لإسرائيل أن تقف مكتوفة الأيدي أمام احتمال قيام قوة إقليمية تتخذ موقفا عدائيا تجاهها بإنشاء قدرات عسكرية متطورة في سوريا. المخاوف المُبررة قد تؤدي إلى سوء تقدير ورد فعل مُفرط، ما قد يُفضي إلى تدهور غير مرغوب فيه. يفترض البعض في إسرائيل أن النظام السوري الجديد قد خضع لمصالح أردوغان ورغباته، لكن هذا بعيد كل البعد عن الواقع.
سوريا مهتمة بتنويع علاقاتها:
نفوذ تركيا على دمشق كبير، لكنه ليس بلا حدود. يحرص الرئيس أحمد الشرع على توطيد العلاقات مع الولايات المتحدة ودول الخليج وغيرها من القوى الإقليمية والدولية، وذلك لتجنب الاعتماد المفرط على أنقرة. صحيح أن سوريا بحاجة إلى مساعدة تركيا، لكن هذا لا يعني أنها تسعى لأن تصبح تحت وصايتها.
في الواقع، يُشير استعداد دمشق لإجراء محادثات مع إسرائيل إلى رغبتها في تنويع علاقاتها والحفاظ على مساحة عمل مستقلة. كما أن عدم نفيها للاتصالات بين البلدين يُظهر أنها لا ترى أي خطأ أو خلل في علاقتها مع إسرائيل يستدعي التكتم. لذا، ينبغي على إسرائيل تجنب تفسير أي تعاون عسكري بين تركيا وسوريا على أنه دليل على أن الأخيرة تُصبح قاعدة متقدمة لأردوغان. فمثل هذا النهج، الذي ينظر إلى علاقات البلدين من منظور لعبة محصلتها صفر، قد يُؤدي إلى تصعيد الموقف. من الأهمية بمكان التمييز بين وجود تهديد حقيقي والتلاعب السياسي.
بعيدا عن البُعد السياسي، يُجسّد الهجوم على سوريا تناقضا في السياسة الإسرائيلية. فالحكومة الاسرائيلية الحالية ليست بالضرورة مهتمة بتعزيز الحكومة المركزية في سوريا، وتفترض أن سوريا ضعيفة ومُنقسمة تُتيح لإسرائيل حرية أكبر في العمل وتمنع عودة التهديد من الشمال. على المدى القصير، يُعطي الضعف السوري، إسرائيل مزايا تكتيكية، كما سمح لها بالاستيلاء على أراضٍ إضافية تحت ستار الأمن.
مع ذلك، يكمن الهدف على المدى البعيد في وجود دولة سورية مستقرة بنظام يُحدد هويتها بوضوح، ويُسيطر على أراضيها، ويُقيّد المنظمات المسلحة، ويُحارب شبكات التهريب، ويمنع إيران وحزب الله من إعادة بناء وجودهما. ولن يتحقق كل هذا إلا إذا استقر النظام السوري وأصبح جيشه قويا بما يكفي للدفاع ضد التهديدات الداخلية والخارجية. ولن تستفيد إسرائيل من استمرار الفوضى أو من نظام سوري يعتمد كليا على تركيا من أجل بقائه.
الآلية التي يمكن ان تكمل المفاوضات مع سوريا:
تُؤكد الأزمة المُحيطة بالهجوم على القاعدة الجوية، الخطر الكامن في العمل دون آليات مُتفق عليها للتحقق من المعلومات والتواصل، إذ قد يُفسر الطرف الآخر حتى التدابير الدفاعية أو الإجراءات الوقائية على أنها تمهيد للعدوان.
منذ وصول الشرع إلى السلطة، جرى تبادل العديد من الرسائل بين إسرائيل وسوريا، إما بشكل مباشر أو عبر الولايات المتحدة. كما عُقدت اجتماعات للترويج لاتفاق أمني، إلا أن إسرائيل أوقفتها.
من الممكن إنشاء آلية ثلاثية أو رباعية الأطراف بين إسرائيل وسوريا وتركيا والولايات المتحدة، يكون دورها منع الاحتكاكات العسكرية، والإنذار المبكر للانتشار العسكري والمناورات، وتوضيح الخطوط الحمراء، وإدارة الأزمات بشكل عام. ويمكن لواشنطن المساعدة في التحقق من المعلومات المتنازع عليها وتقديم ضمانات للأطراف الثلاثة. فقنوات الاتصال القائمة بين إسرائيل وتركيا، والحوار المتنامي بين إسرائيل وسوريا، تظهر أن أسس هذه الآلية موجودة بالفعل.
ينبغي لهذا الإطار أن يُكمّل، لا أن يحل محل، المفاوضات الإسرائيلية السورية بشأن الترتيبات الأمنية، وتحقيق الاستقرار في جنوب سوريا، ووضع قواعد سلوك مشتركة. السلام أو التطبيع مع سوريا لا يبدو وشيكاً، لكن من المؤكد أن التوصل إلى اتفاق عدم اعتداء بات في متناول اليد.
لا ينبغي أن تتحول سوريا إلى ساحة الصراع الأوسع بين إسرائيل وتركيا. فقد أثبت قرار العودة إلى الحوار بعد الهجوم على أبو الظهور أن التصعيد ليس قدرا. يكمن التحدي الآن في تحويل دبلوماسية الأزمات الارتجالية إلى آلية تنسيق مستقرة ودائمة. علاوة على ذلك، في ضوء التحالفات الجديدة التي تُنشا في المنطقة، مثل “اتفاق مكة” بين السعودية وباكستان وتركيا، فإن أي تحرك إسرائيلي في سوريا – سواء في إطار بناء إطار تنسيقي أو توقيع اتفاقية عدم اعتداء – قد يُظهر مرونة وإبداعا في الاستعدادات الإقليمية لما بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول.
