المأزق الوجودي لنتنياهو: بين حبال الاستيطان وصعود آيزنكوت على وقع الحروب المفتوحة

حسن حردان
يخوض رئيس وزراء العدو “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو أشرس معركة سياسية انتخابية في مسيرته؛ إذ توثق استطلاعات الرأي العامة تآكلاً متسارعاً في رصيد معسكره اليميني، مع احتمال قوي لفقدان الأغلبية البرلمانية في الكنيست. بالنسبة لنتنياهو، لا تعدّ خسارة السلطة مجرد صراع سياسي بين معارضة وموالاة، بل تمثل انهياراً للمظلة التشريعية والقضائية التي تحميه من استكمال محاكمته الجنائية بتهم الفساد، والهروب من تبعات تشكيل لجان تحقيق رسمية تحاسبه على الإخفاق الاستراتيجي في السابع من أكتوبر. وللتعويض عن هذا التراجع، يعتمد نتنياهو على استراتيجية مزدوجة ترتكز على إطلاق يد المستوطنين وتوسيع الاستيطان في الضفة الغربية لفرض وقائع ضمّ فعلية، مستهدفاً شدّ عصب قاعدته اليمينية المتطرفة وتجنّب تسرّب الأصوات نحو أحزاب منافسة.
أولاً: سقوط ورقة “التصعيد”
وجدوى استنزاف الجبهات
وفي محاولة للهروب للأمام، راهن نتنياهو طويلاً على إطالة أمد الحروب المفتوحة في قطاع غزة وجنوب لبنان كطوق نجاة لإبقاء حالة الطوارئ معطلة لأيّ استحقاق انتخابي مبكر. غير أنّ المعطيات الميدانية والسياسية تؤكد أنّ هذه السياسات باتت تثير تكلفة عكسية وإنهاكاً حاداً…
فرغم أنّ إطالة أمد التصعيد وفتح الجبهات (في غزة وجنوب لبنان) منحت نتنياهو مؤقتاً مظلة طوارئ أبعدت النقاش عن إخفاقات السابع من أكتوبر، إلا أنّ التأثير الميداني والسياسي لهذه الاستراتيجيات بات ينعكس سلبياً على رصيده لعدة أسباب جوهرية:
إنهاك الطبقة الوسطى والاحتياط: استمرار استدعاء جنود الاحتياط وتكبّد الاقتصاد خسائر باهظة وشلل القطاعات التجارية والسياحية جعل قطاعات واسعة من دافعي الضرائب والطبقة الوسطى يشعرون أنّ استمرار الحرب مرتبط بالحسابات الشخصية لنتنياهو وحلفائه المتطرفين وليس بالأمن القومي.
تآكل الإجماع حول الجبهات: انّ غياب “النصر الحاسم” وتحوّل المعارك على الجبهات المختلفة إلى حرب استنزاف بلا أفق سياسي أفقد استمرار الحروب بريقها الانتخابي.
أما في الضفة الغربية، فإنّ إطلاق يد المستوطنين والتصعيد الوحشي ضدّ الفلسطينيين لا يحظى بإجماع “إسرائيلي”، بل يعتبره الكثير من “الإسرائيليين” استنزافاً أمنياً إضافياً يفتح جبهة داخلية ثالثة تثقل كاهل الجيش المستنزف.
فقدان ورقة “الأمن المطلق”: الشارع “الإسرائيلي” لم يعد يرى في سياسات نتنياهو رادعاً حقيقياً، بل يراها سبباً في العزلة الدولية المتصاعدة لـ “إسرائيل” وتأزم علاقاتها حتى مع الحلفاء التقليديين.
ثانياً: صعود آيزنكوت
ومأزق البدائل السياسية
على الجانب المقابل، يستثمر غادي آيزنكوت، رئيس الأركان الأسبق وزعيم حزب “يَشار”، هذا التخبّط العارم عبر تقديم خطاب عقلاني ومؤسّسي يستميل الطبقة الوسطى والفئات المتضرّرة اقتصاديا ونفسياً. تشير أحدث مؤشرات المعاهد الإسرائيلية (مثل “معاريف” وقنوات محلية) إلى تصدّر حزب “يَشار” للمشهد الانتخابي حاصداً ما بين 24 إلى 25 مقعداً، ومتجاوزاً حزب “الليكود” الذي تراجع في حدود 19 إلى 22 مقعداً، فضلاً عن تفوق آيزنكوت الواضح على نتنياهو في مؤشرات الملاءمة الشخصية لرئاسة الحكومة (بنسبة تجاوزت 43% إلى 48% مقابل نحو 34% إلى 37% لنتنياهو).
ثالثاً: الآفاق المتوقعة
وانعكاساتها على المسار الإقليمي
تُظهر خريطة التحالفات المعقدة أنّ المعارضة بقيادة آيزنكوت تواجه معضلة بنيوية تتمثل في صعوبة حسم الأغلبية المطلقة (61 مقعداً) بمعزل عن الدعم الضمني أو الشراكة مع الأحزاب العربية في الكنيست، وهو خيار يواجه بحساسية مفرطة من ناخبي الوسط واليمين المعارض. وفي المقابل، فإنّ استمرار تآكل معسكر اليمين وتشتت أصواته لصالح أحزاب صغيرة جديدة يضيق هامش مناورة نتنياهو إلى حدّ كبير.
وعليه، تشير الآفاق القريبة إلى أنّ كيان الاحتلال “الإسرائيلي” يتجه نحو مخاض سياسي وعسكري قاسي؛ فإما أن ينجح نتنياهو في اللحظات الأخيرة بهندسة تحالفات طارئة لإنقاذ ائتلافه وإبقاء الجبهات ملتهبة، وإما أن يقود ضغط الشارع والطبقة الوسطى وسخط الاحتياط إلى إحداث تغيير جذري يطيح بحقبة نتنياهو ويفتح الباب أمام تسويات مغايرة تعيد صياغة المشهد الأمني والسياسي برمّته…

