فخ هرمز ورماد خارق: تداعيات الفشل على الناخب الأميركي

حسن حردان
تتحوّل المغامرات العسكرية غير المحسوبة غالباً إلى رصاصة في رِجل صانعيها، وهو تماماً ما يجسّده المأزق الحالي الذي تعيشه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مياه الخليج مع اقتراب استحقاق انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر/ تشرين الثاني 2026. فالرهان على توجيه ضربات قاصمة للبنية التحتية النفطية الإيرانية ـ وعلى رأسها استهداف جزيرة خارك ـ كان مفترضاً أن يشكل استعراضاً للقوة يركع طهران ويضمن تدفقاً آمناً وسلساً للطاقة. غير أنّ الواقع الميداني جاء مرتدّاً بقسوة على البيت الأبيض، ليتحوّل التكتيك الهجومي إلى فخ استراتيجي معقد كشف عجز الإدارة وتخبّطها الواضح.
جاء الردّ الإيراني السريع وحادثة انفجار اللغم في ناقلة النفط بمضيق هرمز ليؤكدا هشاشة الأطروحات الرسمية للادارة الأميركية؛ فبدلاً من إخضاع الممر المائي وفتح شرايينه لخفض الأسعار، أسفر التكتيك الأميركي عن نتائج عكسية بالكامل. قفزت أسعار النفط بصورة جنونية متجاوزة حاجز التسعين دولاراً للبرميل، وارتفع غالون البنزين محلياً في الولايات المتحدة إلى مستويات فوق الأربعة دولارات، مما أشعل موجة تضخمية جديدة اكتوَت بها جيوب الناخبين الأميركيين.
في محاولة يائسة للهروب إلى الأمام والتغطية على الفشل الذريع في تأمين المضيق وحماية الأسواق، لجأت الإدارة إلى حرب نفسية وإعلامية هزيلة، تضمّنت ترويج فيديوات مصورة مولدة بالذكاء الاصطناعي للادّعاء بتدمير جزيرة خارك، بينما كانت أسواق الطاقة تعاني من التصدّع الفعلي وأزمات سلاسل الإمداد. هذا الارتباك الميداني والاعتماد على البروباغندا الرقمية لم يخدعا الشارع الأميركي الذي يواجه تكاليف معيشة باهظة وفواتير طاقة ملتهبة.
السؤال، كيف ينعكس هذا التراجع في الدعم الشعبي لسياسات الإدارة الخارجية على خيارات الناخب الأميركي بين التوجه نحو التغيير الديمقراطي أو معاقبة الصقور الجمهوريين في صناديق الاقتراع؟
يؤدي هذا الفشل في خداع الشارع الأميركي إلى تقويض الورقة الاقتصادية التي طالما تباهى بها الحزب الجمهوري، مانحاً خصومهم الديمقراطيين سلاحاً فتاكاً للمساءلة والعقاب الانتخابي. وبات واضحاً أنّ هروب الإدارة إلى التصعيد العسكري لم يسفر إلا عن وقوعها في فخ استنزاف مفتوح، لتجد إدارة ترامب نفسها اليوم مكشوفة أمام ناخب غاضب، سيترجم خيبته الاقتصادية بصوت عقابي في صناديق الاقتراع.
تؤكد مؤشرات الرأي العام واستطلاعات المراكز البحثية الأميركية الكبرى (مثل بيو، رويترز/ إيبسوس، وفايننشال تايمز) أنّ تكاليف المعيشة وأزمة أسعار الطاقة تحوّلت إلى الهاجس الأساسي للناخب الأميركي مع اقتراب انتخابات نوفمبر 2026.
تشير البيانات والاتجاهات الرقمية إلى الآتي:
أولاً: تراجع حادّ في تأييد الإدارة اقتصادياً: تظهر استطلاعات الرأي أنّ نسبة الموافقة على إدارة دونالد ترامب للاقتصاد وملف التضخم منخفضة للغاية، حيث يربط غالبية الناخبين بين سياسات التصعيد العسكري ضدّ إيران وأزمة ارتفاع أسعار الوقود (التي تجاوزت أربعة دولارات لجالون البنزين) وانعكاساتها المباشرة على أسعار السلع والغذائيات.
ثانياً: اهتزاز الورقة الاقتصادية لصالح الديمقراطيين: تاريخياً، طالما تمتع الحزب الجمهوري بتقدّم مريح فيما يتعلق بثقة الناخبين بإدارة الاقتصاد. إلا أنّ الاستطلاعات الحديثة تسجل تحوّلاً ملحوظاً ومنكشفاً، حيث تشير بعض المؤشرات إلى تفوّق طفيف أو تقارب لصالح الحزب الديمقراطي في قضية إدارة الاقتصاد وتكلفة المعيشة، نتيجة مباشرة لارتفاع فواتير الطاقة المرتبطة بأزمة الخليج.
ثالثاً: التصويت العقابي وطبيعة المزاج الانتخابي: تكشف الاستطلاعات أنّ قسماً كبيراً من الناخبين ينظرون إلى التصويت المقبل باعتباره “تصويتاً عقابياً” ضدّ سياسات البيت الأبيض الحالية، وسط مخاوف حقيقية لدى المرشحين الجمهوريين في الدوائر الانتخابية المتأرجحة من أن تتحوّل تداعيات حرب الطاقة إلى موجة انتخابية ديمقراطية واسعة.
