استراتيجيات وتقارير

نحو 750 ألف لبناني غادروا خلال سنوات الأزمة (2/1) من الانهيار الاقتصادي الى موجات الهجرة الكبرى

الحلقة الأولى

د. علي فاعور: رئيس مركز السكان والتنمية، وعضو المجلس الوطني للبحوث العلمية
مقدمة
شهد لبنان منذ عام 2019 موجات هجرة واسعة تزامنت مع الانهيار الاقتصادي والمالي وتراجع فرص العمل والدخل والخدمات، ثم مع الأزمات الأمنية والحروب خلال 2024–2026. وتكمن خصوصية هذه المرحلة في كثافة الخروج خلال فترة زمنية قصيرة وتداخل الهجرة مع أزمات داخلية وخارجية متلاحقة.
وتواجه قراءة هذه الموجة مشكلة إحصائية تتمثل في تعدد الأرقام واختلاف مدلولاتها. لذلك تنطلق الدراسة من حركة دخول اللبنانيين ومغادرتهم، وتنتقل إلى صافي الحركة ثم إلى تقدير الهجرة، بهدف قياس التحول بين خط الأساس 2014–2018 وسنوات الانهيار والحرب حتى البيانات المتاحة من 2026.
1- من حركة الدخول والخروج إلى قياس الهجرة: بناء قاعدة إحصائية للهجرة اللبنانية
تعتمد الدراسة حركة اللبنانيين المسجلة عبر المعابر نقطة بداية، مع حصر وحدة التحليل باللبنانيين وفصلها عن حركة غير اللبنانيين. ومن إجمالي الدخول والمغادرة يُحسب صافي الحركة وفق المعادلة:
صافي الحركة = مغادرات اللبنانيين − دخول اللبنانيين.

ويمثل الناتج رصيد الحركة خلال فترة محددة، ولا يُعامل تلقائيًا باعتباره عددًا نهائيًا للمهاجرين الدائمين.
وتضع التقديرات المتاحة الحجم التراكمي للهجرة خلال سنوات الأزمة في حدود 700–750 ألف لبناني، مع اختلاف النتائج بحسب الفترة المرجعية وتعريف الهجرة وطريقة احتساب العودة..

1) اختبار القاعدة الإحصائية: عام 2014
يمكن اختبار سلامة هذه المنهجية في عام تتوافر له إمكانية المقارنة بين إعادة تجميع بيانات الحركة والرقم السنوي الوارد فيها. ففي عام 2014 أعطى تجميع الفترات المستخدمة 2.634.219 دخولًا للبنانيين مقابل 2,663,625 مغادرة، أي صافي خروج قدره 29,406 أشخاص. وفي المقابل بلغ الرقم السنوي الوارد في السلسلة المنشورة 30.533، أي بفارق 1.127 شخصًا، أو 3.7% فقط.
ولا يعني هذا التقارب تطابق المؤشرين في التعريف، لكنه يدعم اتساق إعادة بناء السلسلة من بيانات الحركة الحدودية.
2) حركة العبور لا تساوي حجم الهجرة
ويقدم عام 2025 المثال الأكثر وضوحًا. فقد سجلت الفترات الاثنتا عشرة المعاد تجميعها 2.310.734 دخولًا للبنانيين و2,331,070 مغادرة؛ أي أكثر من 4.64 ملايين حركة عبور، بينما انتهى الفرق بين الدخول والمغادرة إلى 20.336 صافي خروج فقط.
وتكفي هذه المقارنة لإظهار أن كثافة الحركة عبر الحدود ليست مقياسًا لحجم الهجرة؛ إذ يمكن لملايين عمليات الدخول والمغادرة أن تنتهي إلى رصيد صافٍ محدود نسبيًا.
3) من الحركة الحدودية إلى تقدير الهجرة
تقود هذه القاعدة إلى ثلاثة مستويات تحليلية يجب الفصل بينها طوال الدراسة:
الحركة الحدودية ثم صافي الحركة و تقدير الهجرة..
الحركة الحدودية تقيس مجموع عمليات الدخول والمغادرة، ولا تقيس عدد الأشخاص المختلفين بالضرورة، لأن الشخص نفسه يمكن أن يعبر الحدود أكثر من مرة.
صافي الحركة يقيس الفرق بين المغادرات والدخول خلال فترة محددة.
أما تقدير الهجرة فهو مستوى تحليلي أعلى، يحتاج إلى تتبع الرصيد عبر الزمن ومراعاة العودة وتكرار السفر والفترة المرجعية، ولا يجوز تحويل كل صافي خروج آليًا إلى هجرة دائمة.
2- من الانهيار الى الحرب كيف تصاعدت موجات الهجرة
لا تكشف السلسلة ارتفاعًا منتظمًا للهجرة، بل انتقالًا بين مراحل مختلفة في الحجم والسرعة والظروف المحركة للخروج. ولذلك تعتمد المقارنة التالية متوسطات المراحل لقياس التحول من خط الأساس السابق للأزمة إلى المستويات التي ظهرت بعد 2019.


1) فترة 2014–2018: خط الأساس ما قبل الانهيار
بلغ الرقم وفق البيانات المنشورة 30,533 عام 2014، و22,125 في 2015، و11,650 في 2016، و18,863 في 2017، ثم 33,129 في 2018. وبذلك بلغ مجموع السنوات الخمس 116,300، بمتوسط سنوي قدره 23,260. وتمثل هذه الأرقام خط الأساس الذي تُقاس عليه التحولات اللاحقة بعد 2019.
وتذبذبت السلسلة داخل هذه المرحلة، من 11,650 في 2016 إلى 33,129 في 2018، أي قرابة ثلاثة أضعاف، لكنها بقيت ضمن مستوى يختلف بوضوح عن الأحجام التي ظهرت خلال الأزمة.

2) فترة 2019–2020: الانعطاف يبدأ وكورونا يوقف الحركة
شكّل عام 2019 نقطة الانعطاف الأولى؛ فقد ارتفع الرقم من 33,129 في 2018 إلى 66,806، بزيادة 101.7% خلال سنة واحدة، وأصبح يعادل 2.87 ضعف متوسط 2014–2018. وفي 2020 انخفض إلى 17,720، أي 73.5%، لكن هذا التراجع ارتبط بالقيود الاستثنائية لجائحة كورونا وإقفال المطار، ولذلك يعكس تقييد القدرة على الحركة أكثر مما يثبت تراجع دوافع الهجرة.
وتكشف المقارنة بين السنتين لذلك عن ظاهرتين مختلفتين، ان عام 2019 يسجل بداية الانعطاف الهجري، بينما يعكس 2020 انقطاعًا مؤقتًا في المسار بفعل القيود على الحركة، ولهذا لا يصح استخدام الانخفاض الكبير في 2020 لنفي التحول الذي بدأ في السنة السابقة؛ والحكم على استمراره يتطلب الانتقال إلى ما حدث بعد انحسار تلك القيود في 2021–2022.
3) فترة 2021–2022: تصاعد موجات الهجرة في أعقاب انفجار المرفأ وكورونا.
مع انحسار القيود التي فرضتها جائحة كورونا على حركة السفر، عادت الهجرة إلى الارتفاع بقوة، فبلغ عدد المهاجرين 79.134 عام 2021، مقابل 17.720 عام 2020، أي بزيادة 61.414 شخصًا أو 346.6% خلال سنة واحدة. ثم تراجع العدد إلى 59.269 عام 2022، لكنه بقي عند مستوى مرتفع مقارنة بالسنوات السابقة للأزمة.
وبلغ مجموع المهاجرين خلال 2021–2022 نحو 138,403 أشخاص، بمتوسط 69,202 سنويًا، أي قرابة ثلاثة أضعاف متوسط 2014–2018 البالغ 23,260. وبذلك استقر مستوى 2021–2022، بعد انحسار قيود الجائحة، عند نحو ثلاثة أضعاف متوسط ما قبل الأزمة.
4) فترة 2023–2024: الذروة وتزايد تدفقات الهجرة المغادرة
في هاتين السنتين انتقلت الهجرة اللبنانية إلى مستوى مختلف بوضوح عما سبق. فقد ارتفع العدد من 59.269 مهاجرًا عام 2022 إلى 180,320 في 2023، أي بزيادة 121.051 شخصًا خلال سنة واحدة، أو 204.2%. ثم بقي العدد مرتفعًا جدًا في 2024 عند 172.530مهاجرًا، مع تراجع محدود لم يتجاوز 4.3% عن السنة السابقة.
وتظهر قوة هذا التحول بصورة أوضح عند جمع السنتين. فقد بلغ مجموع المهاجرين في 2023–2024 نحو 352.850 شخصًا، بمتوسط سنوي بلغ 176.425 مهاجرًا. وبالمقارنة مع متوسط 23.260 سنويًا خلال 2014–2018، أصبح مستوى الهجرة في هاتين السنتين يعادل نحو 7.6 أضعاف ما كان عليه قبل الأزمة.
وهناك مقارنة أكثر تعبيرًا عن حجم القفزة: فقد سجلت السنوات الأربع الأولى من الأزمة، بين 2019 و2022، مجموع 222.929 مهاجرًا، بينما سجل عامَا 2023 و2024 وحدهما 352.850، أي أن سنتين فقط تجاوزتا مجموع السنوات الأربع السابقة بنحو 129.921 شخصًا، أو 58.3%.
وبذلك تمثل 2023–2024 ذروة واضحة في تدفقات الهجرة، لا مجرد استمرار تدريجي للارتفاع السابق.
4) فترة 2025–2026: الحرب تغيّر خريطة الخروج والعودة
تختلف قراءة 2025–2026 عن السنوات السابقة، إذ ننتقل من السلسلة السنوية المنشورة إلى صافي حركة معاد بناؤه من بيانات دخول اللبنانيين ومغادرتهم. لذلك لا تُدمج هذه الأرقام آليًا مع سلسلة 2019–2024 قبل توحيد التعريفات.
ومن منتصف كانون الأول 2025 إلى منتصف نيسان 2026، سجلت القاعدة 564,693 دخولًا مقابل 611,440 مغادرة، أي صافي خروج بلغ 46,747 شخصًا. وسجلت الفترات الأربع المتتالية صافي خروج قدره 12,970 ثم 7,679 ثم 9,024 ثم 17,074، بما يكشف استمرار الاتجاه نحو الخارج طوال الفترة المتاحة.
ومن منتصف كانون الأول 2025 إلى منتصف نيسان 2026، سجلت القاعدة 564,693 دخولًا مقابل 611,440 مغادرة، أي صافي خروج بلغ 46,747 شخصًا. وسجلت الفترات الأربع المتتالية صافي خروج قدره 12,970 ثم 7,679 ثم 9,024 ثم 17,074، بما يكشف استمرار الاتجاه نحو الخارج طوال الفترة المتاحة.
ولا تكمن أهمية هذه الأرقام في حجم كل شهر منفردًا بقدر ما تكمن في استمرار الاتجاه نفسه أربع فترات متعاقبة.. ففي 2025 كان التبدل بين الخروج والعودة شديدًا، بينما تكشف الأشهر الأولى المتاحة من 2026 رصيدًا متصلًا باتجاه الخارج.
3- من الهجرة إلى الاستقرار في الخارج: خريطة المقصد واللجوء واكتساب الجنسية
لا تكتمل قراءة الهجرة اللبنانية من خلال أعداد المغادرين وحركة الدخول والخروج وحدها؛ فالمصادر الدولية تتيح النظر إلى جانب آخر من الظاهرة يتمثل في تراكم المهاجرين من لبنان في بلدان المقصد، وتطور طلبات اللجوء، واكتساب جنسيات دول الإقامة ، وهي مؤشرات مختلفة في تعريفها ووحداتها الإحصائية، لكنها تكشف مجتمعة كيف تتحول الهجرة، بالنسبة إلى قسم من اللبنانيين، من حركة خروج إلى إقامة واستقرار في الخارج.
1) مخزون المهاجرين من لبنان: نحو 682 ألفًا حول العالم
تشير بيانات شعبة السكان في الأمم المتحدة إلى أن مخزون المهاجرين الدوليين من لبنان بلغ 681,720 شخصًا في 1 تموز/يوليو 2024. ويختلف هذا المؤشر عن أعداد المغادرين السنوية؛ فهو يقيس مخزونًا قائمًا في بلدان المقصد في تاريخ محدد، وفق تعريفات الأمم المتحدة للأصل، التي تستند إلى بلد الميلاد حيث تتوافر بياناته، أو إلى الجنسية الأجنبية في بعض البلدان، مع إضافات محددة لفئات الحماية. ولذلك لا يمثل الرقم مجموع الأشخاص من أصل لبناني المنتشرين حول العالم عبر الأجيال.
وتكشف دول المقصد عن تركز جغرافي واضح؛ إذ جاءت الولايات المتحدة في المرتبة الأولى بنحو 150.380 مهاجرًا من لبنان، تليها كندا 97.179 وأستراليا 93.967. وتضم الدول الثلاث مجتمعة 341.526شخصًا، أي 50.1% من إجمالي المخزون العالمي. وتأتي بعدها السعودية 52.864 وفرنسا 51.485 والإمارات 39.223، ثم السويد 30.587، وتركيا 24.965، والبرازيل 14.879، والدنمارك 13.454.
وتعكس هذه الخريطة نمطين متوازيين للهجرة اللبنانية: وجهات استقرار تاريخية بعيدة تتقدمها الولايات المتحدة وكندا وأستراليا، وأسواق عمل إقليمية برزت فيها دول الخليج، ولا سيما السعودية والإمارات. كما ينبغي عدم ربط مخزون 2024 بموجة الأزمة وحدها، لأنه يمثل تراكم موجات هجرة تعود إلى مراحل زمنية مختلفة.

2) طلبات اللجوء للبحث عن وطن: ارتفاع واضح بعد 2021
يكشف مؤشر طلبات اللجوء في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD مسارًا مختلفًا وأكثر ارتباطًا بالأزمات الأخيرة. فقد ارتفع عدد الطلبات المسجلة بحسب الجنسية اللبنانية من 1.785 طلبًا عام 2020 إلى 2,337 عام 2021، ثم 4,333 عام 2022. وبعد انخفاضه إلى 3.521 في 2023، عاد إلى الارتفاع إلى 4.137 طلبًا في 2024؛ أي إن مستوى 2024 أصبح أعلى بنحو 132% من مستوى 2020.
ولا تعني هذه الأرقام أن جميع مقدمي الطلبات حصلوا على اللجوء أو أصبحوا مهاجرين دائمين، بل تقيس تدفق طلبات اللجوء السنوية في دول OECD المبلِّغة. ومع ذلك، فإن ارتفاعها بعد 2021 يقدم مؤشرًا إضافيًا إلى اتساع البحث عن مسارات للإقامة والحماية خارج لبنان خلال سنوات الأزمة.
3) اكتساب الجنسية: من الهجرة إلى ترسخ الإقامة
يظهر مسار أكثر استقرارًا عند الانتقال إلى اكتساب جنسيات دول المقصد. فقد ارتفع عدد الأشخاص الذين كانت جنسيتهم السابقة لبنانية واكتسبوا جنسية إحدى دول OECD المبلِّغة من 7.226 عام 2020 إلى 7.325 عام 2021، ثم إلى 11.468 عام 2022، قبل أن يسجل 11.075 حالة عام 2023.
ولا تمثل هذه الأرقام مهاجرين جددًا في سنة اكتساب الجنسية؛ فالتجنيس يأتي عادة بعد سنوات من الإقامة واستيفاء الشروط القانونية. ولذلك تكمن أهميته هنا في كونه مؤشرًا على انتقال قسم من الهجرة اللبنانية من مرحلة المغادرة والإقامة إلى مرحلة أكثر رسوخًا في بلدان المقصد.
وتكشف المؤشرات الثلاثة، رغم اختلاف تعريفاتها، مسارًا متدرجًا: خروج من لبنان، ثم إقامة في بلدان المقصد، وفي بعض الحالات طلب حماية أو انتقال لاحق إلى اكتساب جنسية جديدة. وهذا البعد الخارجي للهجرة لا يكتمل فهمه من خلال عدد المغادرين وحده، بل يطرح السؤال عن نوعية الموارد البشرية التي تستقر في الخارج، وهو ما تقود إليه الحلقة الثانية من هذه الدراسة حول هجرة الشباب والكفاءات وآثارها في مستقبل لبنان الديموغرافي.
خلاصة: لبنان أمام مخاطر موجات الهجرة المتسارعة
تكشف السلسلة الممتدة من 2014 إلى البيانات المتاحة من 2026 تحولًا واضحًا في مستوى الهجرة اللبنانية: من متوسط سنوي بلغ 23,260 خلال 2014–2018، إلى انعطاف بدأ مع الانهيار عام 2019، ثم مستويات أعلى بعد الجائحة، وصولًا إلى ذروة 2023–2024 التي بلغ متوسطها السنوي 176,425، أي نحو 7.6 أضعاف خط الأساس.
ولا تعني هذه النتائج أن الهجرة ظاهرة جديدة في لبنان، بل إن الجديد هو كثافة الخروج وسرعة تغير مستوياته خلال فترة قصيرة، بالتزامن مع أزمات اقتصادية وسياسية وأمنية متلاحقة. أما بيانات 2025–2026 فتظهر أهمية التمييز بين حجم الحركة الحدودية وصافيها، ولا سيّما في زمن الحرب حيث تتسارع موجات الخروج والعودة.
لكن الحجم وحده لا يكشف كامل أثر الهجرة؛ فالسؤال التالي يتعلق بمن يغادر لبنان، وبالوزن الديموغرافي والاقتصادي للشباب والمتعلمين والكفاءات ضمن هذه الموجات.
تتبع الحلقة الثانية: جيل الشباب والكفاءات يغادر لبنان (2/2)
من نزف الموارد البشرية الى الاختلال الديموغرافي ..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى