استراتيجيات وتقارير

انتهى عهد الشيك المفتوح: يهود الولايات المتحدة تخلوا عن الصمت ويحذرون.. إسرائيل ضلّت طريقها

ناداف تامير: الرئيس التنفيذي لمنظمة “جي ستريت إسرائيل”
لعقود، كان دعم يهود أمريكا لسياسات الحكومات الإسرائيلية المختلفة شبه تلقائي. لكن هذا “الشيك المفتوح” لم يُسهم في تحسين وضع إسرائيل، بل على العكس تماما. يزعم البعض أن التركيز على إخفاقاتنا يُشجع معاداة السامية. وفي رأيي، فإن التحالف مع الحكومات التي تُضر بمكانة إسرائيل يُشجع معاداة السامية.
ثمة فرق بين مكافحة معاداة السامية ونزع الشرعية عنها وبين تجاهل المشاكل الحقيقية التي تنخر المجتمع الإسرائيلي من الداخل. لقد ترسخت صورة إسرائيل في العقود الأخيرة، ولا سيما في السنوات الأخيرة، في سياسة الاحتلال والضم الفعلي، وسياسة التساهل المفرط في استخدام القوة، وفي وجود ميليشيات استيطانية مُسلحة تُغير على المناطق الفلسطينية، وتُدمر، بل وتقتل أحيانا، وفي سيطرة عناصر اليمين المتطرف على مناصب أساسية في السلطة.
يشعر العديد من اليهود في الولايات المتحدة بالألم لرؤية التغيّرات التي تطرأ على وطنهم. ويجدون صعوبة في استيعاب كيف نسي الكثيرون من اليهود في إسرائيل معنى أن يكونوا أقلية، وكيف يعاملون الأقلية العربية في إسرائيل بطريقة لا تتوافق مع تجربتهم كأقلية في الولايات المتحدة.
السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة، يحيئيل ليتر، الذي هاجم مؤخرا منظمة “جي ستريت” بعبارات قاسية وبذيئة، فعل ذلك بدافع الإحباط في المقام الأول. فهو يرى بأم عينيه كيف أن المواطنين اليهود في الولايات المتحدة لم يعودوا مُستعدين لتأييد كل ما تفعله حكومة اليمين المتطرف التي يمثلها. وهو لا يريد أن يزعجه النقد، ولا يريد شراكة، بل يريد أن يكون اليهود الأمريكيون مجرد جوقة ترافق سياسات حكومة نتنياهو السيئة.
كل من يطلب من اليهود الأمريكيين دعم إسرائيل دون طرح أي أسئلة، لا يُقوّي الروابط بينهم وبين إسرائيل، بل يُضعفها. هو في الواقع يقول إن الصهيونية تُناقض الليبرالية والديمقراطية، التي تُشكّل جوهر هويتهم اليهودية. هذا مطلبٌ مستحيل ومُناهض للصهيونية.
لم تكن الصهيونية يوما مشروع طاعة عمياء لقائدٍ أو حكومة دون غيرها. لم تُؤسس دولة إسرائيل لتكون حصنا للقوة يُضفي الشرعية على السيطرة على شعبٍ آخر، بل أُسست لتكون وطنا قوميا للشعب اليهودي، قائما على أسس الحرية والعدالة والسلام، ولضمان المساواة الكاملة في الحقوق لجميع مواطنيها – بغض النظر عن الدين أو العرق أو الجنس.
لذلك، فإن أولئك الذين يُناضلون اليوم في إسرائيل والشتات من أجل الديمقراطية الإسرائيلية، واستقلال القضاء، وحقوق الأقلية الفلسطينية في إسرائيل، وإنهاء الاحتلال، والتوصل إلى حلٍ سياسي، هم تحديدا من يُدافعون عن جوهر الرؤية الصهيونية.

الحرب لا تنتهي في ساحة المعركة بل تبدأ على الشاشات
أليكس ناحومسون
لطالما تعاملت إسرائيل مع الإعلام كمجال يُمكن معالجته بعد انتهاء الحملة العسكرية. لكن واقع السنوات الأخيرة أثبت خطأ هذا التصور. ففي عصرٍ تُشن فيه الحرب ليس فقط في ساحة المعركة، بل أيضا على شاشات التلفزيون، ووسائل التواصل الاجتماعي، وفي وعي الجمهور، تُعدّ وسائل الإعلام جبهة أمنية بكل المقاييس. لذا، بات من الضروري إطلاق حملة إعلامية عامة واسعة النطاق، ومستمرة، ومهنية، تستهدف العالم والجمهور في إسرائيل.
لا ينبغي لنا تجاهل الشعور بأن ما تُقدمه إسرائيل لن يُؤثر في الرأي العام في أغلب الأحيان، نظرا لأن آلة الدعاية لمن يسعون لإلحاق الضرر بنا قد أرست دعائم متينة على أرض خصبة. كما لا ينبغي لنا تجاهل الضرر الذي لا يُمكن إصلاحه والذي ألحقته شخصيات بارزة سابقة في الأنظمة السياسية والأمنية، فضلًا عن النظام القضائي المحلي. إن تصريحات من قبيل “دولة عاقلة لا تقتل الأطفال كهواية”. مع ذلك، يجب ألا نستسلم.
أحد التحديات هو ظاهرة “إرهاق المادة.” فكلما طال أمد الصراع، تضاءل اهتمام المجتمع الدولي بالأسباب التي أدت إليه. الرأي العام العالمي يتابع في المقام الأول صور الدمار والمعاناة في الحاضر، بينما تتلاشى ذكرى الأحداث الإرهابية وإطلاق الصواريخ والتهديدات الأمنية التي أشعلت فتيل الصراع. وفي مثل هذه الحالة، وبدون جهد إعلامي متواصل، قد تجد إسرائيل نفسها في موقف دفاع سياسي حتى عندما تتصرف انطلاقًا من حقها في الدفاع عن النفس.
يتطلب الحفاظ على الشرعية الدولية تذكيرا دائما بجذور التهديد التي تنبع من حماس في غزة، وحزب الله في لبنان، وغيرها من المنظمات في الضفة الغربية. يُنظر أحيانا إلى الساحات المختلفة على أنها مشاكل منفصلة: غزة كقضية إنسانية، ولبنان كنزاع حدودي، والضفة الغربية كنزاع سياسي. مع ذلك، من وجهة نظر إسرائيلية، يُمثل هذا نظاما واحدا من التهديدات المترابطة ترابطا وثيقا.
يجب أن تُقدم الدعاية الفعّالة التحدي كجزء من حملة واسعة النطاق بين القوى المتطرفة والدول الساعية إلى الحفاظ على الاستقرار والأمن والنظام الدولي. لكن الدعاية ليست موجهة فقط للجمهور في الخارج، فالجمهور في إسرائيل بحاجة أيضا إلى معلومات موثوقة وواضحة ومُحدّثة. فعندما تُوضح الحكومة ومؤسسات الدولة التحديات والأهداف والمنطق الكامن وراء القرارات، فإنها تُعزز الشعور بالشراكة وقدرة الجمهور على الصمود في وجه الاختبارات المطولة.
وهناك جبهة أخرى لا ينبغي لإسرائيل أن تتخلف فيها، هي الساحة الرقمية. تستثمر المنظمات الإرهابية والمتطرفون موارد ضخمة في نشر معلومات مُضللة ورسائل عاطفية بسرعة فائقة على وسائل التواصل الاجتماعي. لذلك، ثمة حاجة إلى نظام معلومات احترافي وسريع وقائم على الحقائق، قادر على الاستجابة في الوقت الفعلي، وتقديم الأدلة والوثائق، ومكافحة تحريف المعلومات قبل أن تُصبح حقيقة في نظر الجمهور.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى