من “الجحيم” إلى اتفاق استسلام: لماذا تراجع ترامب عن الحسم مع إيران..؟

يوفال مالكا
من أقدم الدروس في التاريخ العسكري، أن الحروب تُعدّ تخلق عاملا من عدم اليقين. أنت تعرف متى تبدأها، لكنك لا تعرف متى ستنتهي., يبدو أن دونالد ترامب قد نسي هذه القاعدة، أو ربما لم يكن على دراية بها أصلا. عندما عاد إلى البيت الأبيض، كان يفيض ثقة مطلقة، وتم عرض إيران كخصم يمكن إخضاعه بسرعة من خلال مزيج من الضغط العسكري والاقتصادي والتهديدات العلنية.
كانت الرسالة واضحة: الأمريكيون سيضعون الشروط، والإيرانيون سيستسلمون. افترض ترامب أن الحملة ستكون قصيرة، شهرا أو شهرين على الأكثر، وفي نهايتها ستدرك طهران أنه لا خيار أمامها سوى قبول مطالبه. لكن الواقع، كما هو الحال في كثير من الأحيان عبر التاريخ، رفض التعاون. لم تنتهِ الحرب وفقا للجدول الزمني المُخطط له، ولم تنهار إيران، ولم تهدأ المنطقة. وبدلا من مواجهة خصم مهزوم، وجد ترامب نفسه أمام صراع طويل الأمد يهدد بمرافقته إلى سلسلة من الأحداث السياسية والشخصية ذات الأهمية البالغة بالنسبة له.
فجأة، لم تعد الحرب مجرد قضية أمنية، بل أصبحت جزءا لا يتجزأ من المشهد السياسي. كأس العالم على الأبواب، ويقترب عيد ميلاده الثمانين، واحتفالات الذكرى الـ 250 لاستقلال الولايات المتحدة وهو حدث تاريخي يريد ترامب أن يترك بصمته فيه.
أدرك ترامب مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، أن أي صراع طويل الأمد في الشرق الأوسط قد يتحول سريعا من مكسب سياسي إلى عبء سياسي ثقيل. وهنا، يكمن التحول الجوهري في موقفه. بدأ الرئيس الذي وعد بـ”الجحيم” يبحث عن مخرج. الرئيس الذي قدم نفسه كصاحب سلطة مُطلقة، بدأ يظهر كشخص يسعى إلى اتفاق بأي ثمن. لم يحدث هذا التغيير لأن إيران تغيّرت، بل لأن الوقت السياسي قد بدأ ينفد. الحروب لا تُخاض وفقا لجداول الحملات الانتخابية، ولا تأخذ في الحسبان الأحداث الرياضية، أو الاحتفالات الوطنية، أو الانتخابات. ولهذا السبب تحديدا تُشكل خطرا كبيرا على السياسيين الذين يثقون بقدرتهم على السيطرة عليها تماما.
ما بدأ كوعد بإخضاع إيران بالقوة، ينتهي الآن بمسعى أمريكي للتوصل إلى اتفاق يسمح لترامب بالانطلاق دون الاعتراف بخطأ تقييمه. سيصف مؤيدو الاتفاق هذا بالبراغماتية، وسيجادلون بأن منع حرب شاملة يُعد إنجازا دبلوماسيا. أما منتقدوه فسيقولون شيئا مختلفا تماما: عندما أدرك ترامب أن الصراع قد يطول أكثر مما خطط له، اختار الطريق الأسهل من وجهة نظره السياسية.
السؤال الحقيقي هو: ما الذي دفع الولايات المتحدة إلى التحوّل من موقف القوة المُعلنة إلى موقف التسوية..؟ الجواب بسيط: لقد أعاد ترامب اكتشاف ما عرفه كل رجل دولة جاد منذ قرون: الحرب تفتح مجالا مليئا بالغموض. يكمن وراء هذا التغيير الحاد أيضا انعدام الثقة في قدرة الولايات المتحدة على حسم سريع بتكلفة منخفضة.
لقد أثبتت العقود الماضية في العراق وأفغانستان أن التفوق التكنولوجي لا يضمن النجاح الاستراتيجي السريع، ويخشى ترامب أن يُعيد التاريخ نفسه هذه المرة أيضا. ينظر ترامب إلى إسرائيل ويرى دولة صغيرة تُظهر مستوى عالٍ من الأداء العسكري، ومعلومات استخباراتية دقيقة، وحرية عملياتية مُذهلة. وفي الوقت نفسه، يُدرك أن أي تدخل أمريكي مباشر سيضع جيشه تحت المجهر العالمي.
يخشى ترامب التكلفة السياسية للخسائر الأمريكية والانتقادات الداخلية التي ستُثار حول سبب انجرار الولايات المتحدة إلى حرب أخرى لا تُعتبر مصلحة أمريكية واضحة. كما يخشى المقارنة الحتمية بين أداء إسرائيل وأداء الجيش الأمريكي. بعبارة أخرى، لا يخشى ترامب الإيرانيين فحسب، بل يخشى أيضا اختبار النتائج. ويخشى ألا تنتهي الحرب سريعا، وأن لا تبدو صورتها جيدة على شاشات التلفزيون. وكلما ازداد هذا الخوف، ازدادت رغبته في التوصل إلى اتفاق.
ليس السبب بالضرورة، أن إيران قد ضعفت، بل لأن الثمن السياسي لاستمرار الصراع يبدو له أعلى من ثمن التنازلات في إطار اتفاق. لذلك، ما بدأ كـ”جحيم” يبدو الآن محاولة لتحقيق السلام بأي ثمن.
باختصار، دخل ترامب الصراع بافتراض إمكانية إخضاع إيران في غضون أسابيع قليلة، لكنه اكتشف أن الواقع أكثر تعقيدا. ومع استمرار الصراع، أدرك أنه قد يُجرّ إلى حرب لا تحظى بشعبية، مع خسائر بشرية وانتقادات شعبية متزايدة. لذلك، أصبحت سياسة “سأجعلهم جحيما” محاولة للتوصل إلى اتفاق يُخرجه من هذا المأزق. هذا ليس اتفاق قوّة، بل اتفاق استسلام نابع من خوف حقيقي من استمرار الصراع وعواقبه.




