معادلة “الاتفاق الاطاري” اللبناني–الإسرائيلي 2026. بين إعادة تنظيم الحدود واختبار التوافق الوطني..

د. علي فاعور: رئيس مركز السكان والتنمية، وعضو المجلس الوطني للبحوث العلمية.
مقدمة
لم يكن “الاتفاق الاطاري” اللبناني–الإسرائيلي، الموقع في واشنطن في 26 حزيران 2026، مجرد تفاهم جديد لتنظيم الوضع على الحدود الجنوبية، بل شكّل محطة سياسية واستراتيجية فتحت نقاشاً واسعاً حول مستقبل الجنوب اللبناني، وسيادة الدولة، في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي وتعثّر عودة السكان إلى قراهم، وتفاقم الانقسامات الداخلية.
وجاء التفاهم في مرحلة إقليمية شديدة التعقيد، حاملاً أهدافاً تتصل بإنهاء النزاع، وتعزيز دور الدولة، وإرساء ترتيبات أمنية جديدة. إلا أن الأيام الأولى التي أعقبت توقيعه أظهرت أن التحدي الحقيقي لا يكمن في نصوصه، بل في قابليتها للتنفيذ، وفي قدرتها على تحقيق معادلة متوازنة تجمع بين استكمال الانسحاب الإسرائيلي، وترسيخ سيادة الدولة، والحفاظ على الوحدة الوطنية.
ومن هنا، تنطلق هذه المقالة من سؤال جوهري: هل تشكل الوثيقة بداية لاستعادة الدولة اللبنانية، أم أنها تفتح البلاد أمام اختبار جديد في مسار استكمال سيادتها واستقرارها؟
أولاً- توقيت الاتفاق: تقاطع الضغوط الأمريكية والتحوّلات الميدانية.
لقد جاء هذا التفاهم نتيجة تحولات ميدانية وسياسية فرضتها الحرب المستمرة منذ عام 2024، والتي أعادت رسم المشهد في جنوب لبنان. فقد أظهرت المواجهات أن استمرار الصراع المفتوح يستنزف جميع الأطراف، من دون أن يحقق استقراراً دائماً أو يعالج جذور الأزمة الحدودية.
وفي هذا السياق، برزت رغبة دولية وإقليمية في الانتقال من إدارة الحرب إلى إدارة مرحلة ما بعدها، عبر إطار سياسي وأمني يهدف إلى ضبط الحدود واحتواء التصعيد. إلا أن هذا لم يكن مجرد استجابة لاعتبارات أمنية، بل جاء أيضاً في ظل متغيرات إقليمية، وضغوط دولية متزايدة، ومحاولات لإعادة ترتيب موازين القوى في المنطقة بعد الحرب.
كذلك بالنسبة لحالة عدم الاستقرار في لبنان، حيث تتقاطع الحاجة إلى وقف الاعتداءات الإسرائيلية، وعودة عشرات آلاف النازحين إلى قراهم، مع تحديات إعادة الإعمار واستعادة الحياة الاقتصادية والاجتماعية في الجنوب. ولذلك، تجاوز الاتفاق كونه ترتيبات حدودية ليصبح مرتبطاً بمستقبل الجنوب بعد الحرب.
ثانياً- بين النص والواقع: ماذا يحمل الاتفاق؟
يتجاوز الاتفاق مفهوم وقف إطلاق النار، ليطرح إطاراً سياسياً وأمنياً يهدف إلى إنهاء النزاع بين لبنان وإسرائيل، من خلال ترتيبات جديدة تقوم على بسط سلطة الدولة اللبنانية، وإعادة الانتشار الإسرائيلي بصورة متدرجة، وتهيئة الظروف لإرساء الاستقرار على جانبي الحدود.
ومن حيث المبدأ، تنسجم هذه الأهداف مع تطلعات اللبنانيين إلى إنهاء الحرب، واستعادة الأمن، وعودة السكان إلى قراهم، وإطلاق عملية إعادة الإعمار. غير أن قراءة النص تكشف أن التحدي لا يكمن في الأهداف المعلنة، بل في آليات تنفيذها وترتيب الالتزامات بين الطرفين.
وتبرز هنا الإشكالية الأساسية، إذ يربط هذا المسار التقدم في الانسحاب الإسرائيلي بتنفيذ إجراءات أمنية داخل لبنان، من دون تحديد جدول زمني واضح لإنهاء الاحتلال. وبذلك، ينتقل من إطار يحدد أهدافاً سياسية إلى آلية تختبر قدرة كل طرف على الوفاء بالتزاماته.
يتضمن الاتفاق 14 بنداً، وتكتسب المادة الرابعة أهمية خاصة، لأنها تؤكد مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة، وهو مبدأ دستوري لا خلاف عليه، لكنها تثير في الوقت نفسه أسئلة حول ترتيب الأولويات وآليات التنفيذ في ظل استمرار الاحتلال، ومنع العودة إلى عدد كبير من القرى الحدودية، واستمرار الاعتداءات الإسرائيلية. وهنا لا يعود النقاش محصوراً بالنص، بل يمتد إلى الظروف السياسية والميدانية التي يفترض أن يطبق فيها.
كذلك بالنسبة الى مضمون المادة 13، لجهة الالتزام ب “وقف كل الأعمال العدائية أو الضارة في المحافل السياسية أو القانونية الدولية”، حيث يتنازل لبنان عن حق المطالبة بقضاء جنائي دولي، أو حتى تعويضات مالية حول التدمير الواسع ..
لهذا فقد أكد رئيس الحكومة أن عبارة “اتفاق الإطار” تسبب التباسًا، وما يجري ليس اتفاقية باسم “إطار”، بل إطار توجيهي ثلاثي للمفاوضات، وهو يهدف إلى تنظيم مسار التفاوض للوصول إلى اتفاق نهائي وليس اتفاقًا أو معاهدة بحد ذاته.
ثالثاً- الدولة بين اختبار التنفيذ والتوافق الوطني
أن بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها واحتكارها استخدام القوة، يشكلان هدفاً وطنياً ودستورياً ثابتاً. غير أن تحقيق هذا الهدف يفترض توافر شروطه الأساسية، وفي مقدمتها استكمال الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة، وعودة السكان إلى قراهم، وتهيئة بيئة داخلية مستقرة..
وتضاف إلى إشكالية التنفيذ أبعاد دستورية وقانونية، بعدما برز نقاش حول هذا المسار وآليات إقراره، في ضوء أحكام المادة (52) من الدستور اللبناني المتعلقة بإبرام المعاهدات والاتفاقات الدولية. ويطرح هذا الجدل تساؤلات حول الوضع القانوني للاتفاق، وما إذا كان يحتاج إلى استكمال المسارات الدستورية ليكتسب قوة الإلزام، وهو نقاش قد ينعكس بدوره على فرص تنفيذه واستقراره في المرحلة المقبلة.
ومن هذا المنطلق، تثير بعض بنود الوثيقة، نقاشاً حول ترتيب الأسس وآليات التنفيذ، إذ تضع على عاتق الدولة التزامات واسعة في مرحلة لا تزال تشهد استمرار الاحتلال، وتداعيات الحرب، والانقسام الداخلي. وهنا يبرز السؤال: هل تكفي النصوص وحدها لتحقيق أهدافها، أم أن نجاحها يستدعي إعادة النظر في بعض الآليات بما ينسجم مع الواقع اللبناني ويمنح الدولة فرصة حقيقية للقيام بدورها؟..
رابعاً- من الأوراق إلى الخرائط: هل يُعاد رسم الحدود ؟
يبقى المعيار الحقيقي للحكم على أي تقدم هو ما ينعكس على الأرض. فالوثائق السياسية تحدد الأهداف، أما الخرائط فتكشف حدود تنفيذها، وتبيّن ما إذا كانت الوقائع الميدانية تسير في الاتجاه الذي رسمته النصوص.
وفي الحالة اللبنانية، تظهر الوقائع الميدانية أن الجنوب لا يزال يعيش مرحلة انتقالية معقدة. فاستمرار الاحتلال في عدد من المواقع الحدودية، ومنع عودة السكان إلى عشرات القرى والبلدات، يؤكد أن الاستقرار لم يكتمل بعد، وأن الجنوب لم ينتقل بصورة نهائية من مرحلة الحرب إلى مرحلة التعافي.
وتكتسب هذه الوقائع أهمية خاصة مع بروز مفهوم ما سًمي “بالمناطق التجريبية” (Zones Pilotes) ، التي تم الإعلان عنها، ولا سيّما في بلدتي زوطر الغربية وفرون. فهاتان البلدتان تقعان خارج مناطق الاحتلال المباشر (حسب رئيس بلدية فرون)، الأمر الذي يثير تساؤلات حول حدود المجال الأمني وفق الخطة المرسومة، وما إذا كانت الإجراءات على الأرض، تتجاوز نطاق الانسحاب إلى إعادة تنظيم المجال الحدودي وفق ترتيبات جديدة.
ولا تقتصر دلالات هذه التحولات على بعدها الأمني، بل تمتد إلى آثارها السكانية والاقتصادية، حيث تًقدر الخسائر الاقتصادية بنحو 13 مليار دولار، كما أن استمرار منع العودة يعرقل إعادة الإعمار ويؤخر التعافي، لأن الاستقرار لا يقاس بخفض العمليات العسكرية وحده، بل بعودة الأهالي إلى قراهم..
ومن هنا، تصبح الخريطة وثيقة ميدانية وركيزة أساسية، لأنها تكشف مدى اقتراب الواقع من الأهداف المعلنة. حيث تم تحديد القرى والبلدات الجنوبية الممنوع العودة إليها (عددها 61 قرية)، مع تحديد الخط الأصفر والمناطق التجريبية، بما يبرز الفجوة بين الترتيبات الواردة في الاتفاق والوقائع الميدانية على الأرض
خامساً- مستقبل الاتفاق: بين الجمود والتحديات الجديدة في الجنوب.
تكشف المؤشرات الأولية ان ردود الفعل لم تنتظر طويلاً، إذ بدأت خلال الساعات والأيام الأولى تظهر مؤشرات على أن الاتفاق يواجه اختباراً سياسياً وميدانياً مبكراً، ما يعزز أن التحدي الأساسي لم يعد في توقيعه، بل في قابليته للتنفيذ في ظل استمرار الاحتلال، والانقسام الداخلي، وتشابك المسارات الإقليمية.
وتكتسب هذه الاعتراضات أهمية إضافية مع تشبيه بعض المواقف اللبنانية الوثيقة بتجربة 17 أيار، في إشارة إلى أن أي مخطط لا يستند إلى توافق داخلي واسع قد يبقى قائماً في النص، لكنه يتعثر في التطبيق. كما أن الموقف الإيراني الذي يضع الانسحاب الإسرائيلي من لبنان في موقع البند الأول في أي تفاهم إقليمي، يعزز فكرة أن مستقبل الجنوب لن يتحدد لبنانياً فقط، بل سيتأثر أيضاً بمسار التفاهمات الإقليمية المرتبطة به.
ويبقى مستقبل هذا الاتفاق رهناً بثلاثة شروط مترابطة. أولها، تحرير كافة المناطق، بما يتيح عودة السكان إلى قراهم وإطلاق عملية إعادة الإعمار. وثانيها، تمكين الدولة اللبنانية من ممارسة سيادتها الكاملة ، بما يعزز مؤسساتها ويكرس احتكارها للسلطة وفق الدستور. أما الشرط الثالث، فيتمثل في المحافظة على التوافق الوطني والسلم الأهلي، لأن أي مسار يؤدي إلى تعميق الانقسام الداخلي يفقد الاتفاق أحد أهم مقومات استمراره.
وفي ضوء هذه المعايير، لا تبدو القضية مرتبطة بمصير وثيقة سياسية فحسب، بل بمستقبل الدولة اللبنانية نفسها. فكل انجاز ينجح في استعادة الأرض، وإعادة المهجرين اليها، يكون قد أسهم في ترسيخ الاستقرار. أما إذا بقيت الفجوة قائمة بين النصوص والوقائع، فإن هذا الاتفاق سيبقى إطاراً نظرياً أكثر منه مشروعاً قادراً على إحداث تحوّل فعلي في الجنوب اللبناني.
خاتمة
يشكل هذا الاتفاق محطة مفصلية في مسار الصراع على الحدود الجنوبية، إلا أن قيمته الحقيقية تتمثل بقدرته على ترجمة أهدافه إلى واقع ملموس. فاستقرار الجنوب لا يتحقق إلا بتحرير الأراضي، وعودة السكان إلى قراهم، وتمكين الدولة اللبنانية من ممارسة سيادتها الكاملة..
وفي المقابل، يبقى الحفاظ على الوحدة الوطنية والتوافق الداخلي الشرط الأساسي لنجاح أي مسار سياسي، لأن بناء الدولة لا يقوم على موازين القوة أو الضغوط الخارجية، بل على إرادة وطنية جامعة تجعل من السيادة والاستقرار هدفين متلازمين.
إن نجاح أي تسوية، مهما طال الزمن، لا يتحقق بتحميل الدولة مسؤوليات جديدة، بل بتوفير الشروط التي تمكّنها من بسط سلطتها على كامل أراضيها، وفي مقدمتها إنهاء الاحتلال، وعودة السكان إلى قراهم، وترسيخ التوافق الوطني.




