مقالات رأي

مرثية سومرية للشرق الأوسط

نبيه البرجي
قد نكون بحاجة الى مرثية أور السومرية , وحيث بكاء الآلهة على خراب مدينة . هنا البكاء على جنوب لبنان . عودة الى كلام المراسل الراحل لصحيفة “الانندبنت” البريطانية في بيروت رووبرت فيسك “قد يكون باستطاعتك أن تخلع أسنان الشيطان , لكن اسرائيل أكثر بشاعة من أن تكون الشيطان” . وكنا قد سألنا كيف يمكن لاله حتى ولو ترعرع في الكهوف أن يأمر أتباعه بأكل عظام البشر . في لبنان يأكلون حتى حجارة القبور !!
هو الشرق الأوسط الذي يستحق المرثية السومرية حتى قبل أن يموت (هل هو حقاً على قيد الحياة ؟) . قد يكون بنيامين نتنياهو الوحيد الذي يستطيع أن يحفر بالسكين في رأس دونالد ترامب . قبل أن يصل الى واشنطن ألقى في وجهه بخطوطه الحمراء . لا انسحاب من الأراضي المحتلة في لبنان وسوريا . وزير دفاعه يسرائيل كاتس الذي قال ناعوم بارنياع “قد تجد في رأسه تلك الحفرة التي تليق بتربية العناكب” قال “لقد دمرنا 70 % من غزة , ونقلنا النموذج الى لبنان” , المسألة لا تتعلق بالضرورة العسكرية أو بالضرورة الاسترتيجية . الضرورة التوراتية . الحاخام مئير كاهانا , مؤسس حركة “كاخ” , قال “قبور هؤلاء هي صلواتنا الى يهوه” .
كنا نظن أن حاجة ترامب الى “اللوبي اليهودي” تقتصر على تكثيف الأكثرية الجمهورية تحت قبة الكابيتول . الحاجة تتعدى ذلك الى البقاء لولاية ثالثة . حجته أن الولايات المتحدة تخوض صراعاً وجوديا للبقاء على رأس العالم ما دامت الصين تنتهج استراتيجية التسلل الى حقول النفط والغاز في الشرق الأوسط . لا أحد غير ترامب , بطريقة قطاع الطرق , يستطيع أن يقطع الطريق (طريق الحرير) أمام التنين . وها هو يقاتل للامساك بتلك الحقول من ضفاف الكاريبي الى ضفاف المتوسط مروراً بالخليج .
أثناء رعايته العشاء السنوي لـ”رابطة مراسلي البيت الأبيض” وضع على رأسه القبعة الحمراء التي تعتبر شعاراً لحملاته الانتخابية وعليها عبارة “ترامب 2028 ” (TRUMP 2028 ) ، هنا الالتباس الدستوري وحيث حددت المدة الرئاسية بولايتين . غير أن خبراء يعتبرون أن ذلك ممكن من الناحية القانونية اذا ما توفرت أكثيرة كثيفة في الكونغرس اضافة الى تأييد عدد من الولايات الكبرى . هذا ما يثير ستيفن كولينسون عبر شبكة CNN الذي يسأل “لماذا يجد ترامب نفسه أمام خيارات أسوأ عند كل منعطف في حربه ضد ايران ؟” , لنختزل ذلك بصورة راقص الهيب هوب الذي ينتقل من مأزق الى مأزق …
هاجسه أن يتجاوز صورة فرنكلين روزفلت في المسار الأمبراطوري للولايات المتحدة ان في ما يتعلق بطريقة احتواء الشرق الأوسط (رروزفلت الذي بسبعة كيلوغرامات من الحديد في ساقيه قطع , غداة قمة يالطا مع جوزف ستالين وونستون تشرشل , نصف الكرة الأرضية تقريباً ليلتقي الملك عبد العزيز آل سعود في قناة السويس) , أو بالنسبة الى دخول التاريخ . المؤرخون يرون استحالة المقارنة بين الرجلين . روزفلت قاد الولايات المتحدة ابان أزمة الكساد الكبرى وأطلق “الصفقة الجديدة” (New Deal) , وحدد القاعدة الفلسفية لليبرالية الأميركية . كما قاد بلاده الى النصر في الحرب العالمية الثانية .
حتى اللحظة مذا فعل ترامب سوى الدوران داخل تلك الحلقة الدمزية . لاحظنا اللقاء الأخير بينه وبين بنيامين نتنياهو . لقاء عاشقين . رئيس الحكومة الاسرائيلية وصف اللقاء بـ “الرائع … من أفضل اللقاءات التي عقدت بيننا” . و”أعتقد أنه من خلال العمل عن كثب مع الرئيس ترامب سيكون بامكاننا صياغة خارطة الشرق الأوسط بطريقة أفضل” .
تذكرون تعليق السفير الأميركي في القدس مايك هاكابي . “التغيير وفق الأبعاد التوراتية” . وكان التفسير لصحيفة “اسرائيل هيوم” “هذه الوصية الحادية عشرة التي أنزلها يهوه على موسى في جبل الطور” !
دونالد ترامب على مسافة قصيرة من الانتخابات النصفية للكونغرس والتي يعتبرها معركة وجودية . كذلك بنيامين نتنياهو الذي يخوض انتخابات الكنيست برهان على مستقبله الشخصي (في المقبرة أم في الزنزانة ؟) . شخصيتان نرجسيتان على المسرح . الأمبراطور والحاخام . ذاك الشرق الأوسط الذي يستحق المرثية السومرية …!!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى