كيف تُعيد أزمة جيش الاحتلال صياغة المزاج الانتخابي في الكيان؟

حسن حردان
لم تعد الأزمات البنيوية التي تعصف بالمؤسسة العسكرية “الإسرائيلية” مجرد تفاصيل تكتيكية محصورة في غرف العمليات الحربية، بل تحوّلت إلى زلزال سياسي واجتماعي يلقي بظلاله الثقيلة المباشرة على الشارع والتوجهات العامة. ومع تصاعد فاتورة الاستنزاف البشري والمادي، وعمق الانقسام حول تقاسم أعباء الخدمة وتجنيد الحريديم التي تعدّ بحسب معهد سياسة الشعب اليهودي (JPPI) من أبرز الملفات المزعزعة للاستقرار الائتلافي، يجد الناخب “الإسرائيلي” نفسه أمام مشهد سياسي بالغ التعقيد، تتبدّل فيه الأولويات الانتخابية وتتراجع فيه ثقة المستوطنين بالمنظومة الحاكمة لصالح البحث عن بدائل تستعيد التوازن المفقود.
ويمكن قراءة انعكاسات هذه الأزمة على الرأي العام واتجاهاته في الانتخابات البرلمانية المرتكزة في المشهد السياسي “الإسرائيلي” عبر النقاط التالية:
أولاً: تصاعد ثقل قضايا
“المساواة في العبء” كأولوية انتخابية
تحوّلت أزمة تجنيد الحريديم وعبء الخدمة العسكرية المتكررة على قوات الاحتياط من قضية قطاعية إلى محدّد رئيسي لخيارات الناخب. تشير المؤشرات والدراسات الاستطلاعية الصادرة عن مراكز الأبحاث “الإسرائيلية” إلى أنّ قطاعات واسعة من الشارع ترفض استمرار الإعفاءات الجارفة في ظلّ التحديات الأمنية القائمة، مما يجعل الأحزاب التي تتبنّى خطاب المساواة في تحمّل المسؤولية العسكرية أكثر جاذبية للشرائح العلمانية والوسطية والطبقة العاملة التي تتحمّل وزر الحرب.
ثانياً: تراجع الثقة بالمؤسسات
واهتزاز صورة القيادة الحالية
أدّى استنزاف المخزون الاستراتيجي من الذخائر واستمرار المعارك والأعباء الاقتصادية الباهظة إلى حالة من التشكيك الواسع في كفاءة إدارة الائتلاف الحكومي الحالي؛ حيث تُظهر مؤشرات الرأي العام في صحيفة يسرائيل هيوم تراجعاً لافتاً في مستويات ثقة الجمهور بأداء المنظومة السياسية الحاكمة مقارنة بتراجع القيود اللوجستية والفجوات الأمنية. ويعاقب الناخبون في توجهاتهم الحالية المسؤولين عن هذه الإخفاقات، وهو ما تنعكس تفاصيله في تراجع مقاعد الأحزاب التقليدية لصالح قوى سياسية وشخصيات جديدة ترفع شعارات الإصلاح واستعادة الاستقرار المؤسسي.
ثالثاً: صعود البدائل
ذات الخلفية العسكرية والأمنية
يميل قطاع متزايد من الرأي العام “الإسرائيلي” نحو دعم شخصيات وقوائم يقودها قادة عسكريون سابقون، ووفقاً لما ترصده استطلاعات الرأي في “جيروزاليم بوست” تشهد قوائم جديدة مثل حزب “يشار” برئاسة شخصيات أمنية وعسكرية بارزة كـ غادي آيزنكوت صعوداً ملحوظاً في الخريطة الانتخابية، حيث يرى الناخب “الإسرائيلي” في هذه القيادات بديلاً قادراً على إدارة ملفات الأمن المعقدة بحرفية بعيداً عن الحسابات الائتلافية الضيقة أو الابتزاز السياسي الحزبي.
رابعاً: “الانسداد السياسي”
والانقسام الحاد…
رغم الغضب الواسع من تداعيات الاستنزاف، لا تزال الكتل السياسية تعاني من انقسام حادّ يعكس شرخ الهوية داخل المجتمع “الإسرائيلي”. وتوضح مسوح الرأي العام الدورية التي ينشرها معهد الديمقراطية الإسرائيلي (IDI) أنّ نسباً واسعة من “الإسرائيليين” يساورهم القلق حيال مستقبل النظام السياسي واستقرار المؤسسات، في ظلّ تقارب وتوازن سلبي بين معسكر الائتلاف الحالي ومعسكر المعارضة والوسط، مما ينذر بأنّ أصوات الناخبين قد تقود إلى مشهد برلمان معقد يصعب فيه حسم الأغلبية المطلقة بسهولة، وسط ترجيحات بأن تظلّ القضايا المرتبطة بالأمن الداخلي والاقتصاد وتكلفة المعيشة هي الفيصل الحاسم لتوجهات الناخبين.


