مقالات رأي

لا تدعوا التاريخ يضل طريقه

نبيه البرجي
منذ نحو ثلاثة عقود , وأثناء لقاء سفير عربي في برلين , كانت دعوة من المستشرقة الألمانية انجيليكا نويفرت للعرب لكأنها للحظة الراهنة , وهي لحظة التحولات الكبرى , الى “عدم ترك التاريخ يضل طريقه مرة ثانية وعلى شاكلة ما حدث غداة الحرب العالمية الأولى” (ونحن نقول على شاكلة ما حدث في حرب داحس والغبراء) . دول أخرى في المنطقة بدأت باعداد رؤية أكثر وعياً بحساسية المرحلة ان في صياغة السياسات أوفي صياغة الاستراتيجيات , ليس من أجل المواكبة الميكانيكية لتلك التحولات وانما من أجل احتواء الأعاصير التي تحملها الأزمنة على ظهرها . الآن أزمنة الكوارث والنكبات …
غريب أمرنا كعرب . هذا حديث مئات المفكرين والمؤرخين والمستشرقين الذين تابعوا مسارنا منذ أكثر من قرن وربما منذ هبوط آدم في عقر دارنا , ليلاحظوا تبعثرنا وتعثرنا في الخروج من الجانب المظلم (والقاتل) من التاريخ . تالياً بناء منظومة استراتيجية للدفاع عن وجودنا لا البحث عن ملاذ آمن في بلاط الأباطرة , لكأن صورة هارون الرشيد وحتى صورة عنترة بن شداد سقطت من ذاكرتنا لنكون الضحايا (أو الوقود) في أي عملية تحول تحدث في المنطقة وحتى في العالم . لعل البعض يستذكر وصف المفكر الأماني الأميركي (اليهودي) ليو شتراوس والذي كتب عن موسى بن ميمون والفارابي لنا “هؤلاء الذين خلعوا عباءة الفلسفة ومضوا في العراء” !
حتى لا اجتماع لجامعة الدول العربية التي ما زالت منذ تاسيسها في حال الاجترار لـ “ثقافة اللامعنى” , ودون أن تكترث بتلك التحولات التي يمكن أن تحدث انقلاباً في الخرائط وفقاً للرؤية (والرؤيا ) التوراتية , وحتى انقلاباً في المسار التاريخي والفلسفي للمنطقة . لن نسأل ماذا فعلت الجامعة لغزة التي كشفت لنا ما مصيرنا كجثث مع وقف التنفيذ . ولن نسأل ماذا فعلت لجنوب لبنان الذي انطلقت منه نخبة ثقافية أحدثت صدى في أرجاء العالم العربي . الآن في مراكز الايواء . حقاً لقد اهتزت الجبال (وبكت) للمشهد .
اجل لا حدود لعصا يشوع بن نون في “نبوءات الابادة الشاملة لأقوام آخرين” , لنبقى ضحايا صراع الأخرين ومصالح الآخرين , في سوريا التي أعلنت عدم عدائها مع أي طرف متاخم لحدودها شهدت هذا الاسبوع غارات اسرائيلية على القاعدة الجوية “أبو الظهور” . ليس فقط لتعرية سوريا حتى من عظامها وانما توجيه رسالة الى دمشق “لا أحد هنا سوى اسرائيل” . أستاذ في جامعة هارفارد قال عن الاسرائيليين ” انه يدفعون بالشرق الأوسط الى الجحيم . هنا بالجرافات وهناك بالطائرات …” .
أميركا دائماً , ومن تلة الكابيتول في واشنطن الى تلة صهيون في أورشليم . دونالد ترامب يقود الأوركسترا بتكشيرة يهوذا . لكأن المفكر الأميركي والاستاذ في جامعة شيكاغو جون ميرشايمر يستوحي دعوة المستشرقة الألمانية لعدم الأخذ بالظاهرة الترامبية ( الظاهرة التي تزحف على ظهرها كما قال) وحيث التاريخ يضل طريقه في قرن يكاد صراع الأباطرة فيه أشد هولاً من صراع الآلهة ..
هال ميرشايمر أن يشن الرئيس الأميركي الحرب على ايران التي انهكها الحصار الاقتصادي , ودون أي مبرر على الاطلاق سوى السقوط في اللعنة التوراتية . المؤرخ البريطاني الاسرائيلي ايلان بابيه لاحظ كيف أن ترامب يضرب حتى حلفاءه في الظهر , ليصفه بالراقص بين القبور !
لكنه الرجل الذي يطرق بقبضته على باب المستحيل ويدور داخل المستحيل حين يدعو ايران الى “رفع الراية البيضاء واعلان الاستسلام” . الاستسلام لمن ولمصلحة من ؟ حتماً لمصلحة اسرائيل التي بدأت تتوجس من مناقشة البنتاغون تقليص القوات الأميركية في الشرق الأوسط , وبعدما قال بنيامين نتنياهو أمام الكونغرس الذي صفق له كما لو كان السيد المسيح “لولا اسرائيل لما كانت أميركا في الشرق الأوسط” .
مواقفنا وسط هذه الأمواج المتلاطمة لكأنها “السير على خيوط العنكبوت” . الكل ينهش في لحمنا لنسأل هل التاريخ ضل طريقه عندنا أم سقط على الطريق ؟ حتى أثيوبيا المهددة بالتفكك القبلي أو الاثني أو المناطقي لا تبالي بنا وتبني سدوداً جديدة على نهر النيل لبيع الماء الى كل من مصر والسودان . ألا يمكننا القول والحال هذه ان الجغرافيا في العالم العربي أيضاً ضلت طريقها . كذلك … الحياة ؟؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى