كلمة الحقائق

لماذا لا تسقط الحكومة وترحل… اللبنانيون يُستنزفون… فهل يفعلها مجلس النواب… أم سيبقى المواطن يدفع ثمن السياسات الاقتصادية الخاطئة ؟

 

رئيس تحرير مجلة الحقائق اللبنانية علي حسني مهدي

لم يعد السؤال في لبنان هل هناك أزمة اقتصادية؟ فهذا السؤال تجاوزه الواقع منذ سنوات السؤال الحقيقي والأكثر إحراجا هو من أوصل البلاد إلى هنا! ولماذا لا تزال المعالجة تدور في الحلقة نفسها؟
لبنان لا يعيش مجرد ضائقة مالية عابرة بل يواجه أزمة دولة واقتصاد ومجتمع في آن واحد. سنوات من الاستدانة والعجز والاقتصاد الريعي وغياب الإصلاحات البنيوية وسوء إدارة المال العام وتداخل المصالح السياسية والمالية أوصلت البلاد إلى لحظة دفع فيها المواطن الثمن من مدخراته ودخله ومستقبل أبنائه.
والأكثر خطورة أن الانهيار لم يعد حدثا استثنائيا بل أصبح نظاما يوميا لإدارة الحياة، المواطن يدفع أكثر ليحصل على الكهرباء والطبابة والتعليم والنقل وسائر الخدمات الأساسية فيما فقدت الرواتب جزءا كبيرا من قدرتها الشرائية وأصبحت الهجرة بالنسبة إلى كثير من الشباب مشروعا للنجاة لا خيارا للمستقبل
في المقابل تستمر الحكومة اللبنانية في التعامل مع الأزمة بمنطق إدارة الوقت بدل إدارة الحل.
كلما اقترب الاستحقاق الإصلاحي ظهرت الحسابات السياسية وكلما ارتفعت كلفة الانهيار جرى البحث عن تمويل جديد أو مساعدة خارجية أو مخرج مؤقت.
وهنا تكمن المفارقة كيف يمكن لحكومة أن تطلب ثقة الخارج وهي عاجزة عن إقناع مواطنيها بأن قواعد اللعبة قد تغيرت؟
ليس من الموضوعية تحميل الخارج وحده مسؤولية الانهيار كما ليس من الواقعي تجاهل تأثير الحروب والأزمات الإقليمية والدولية على لبنان. لكن تحويل كل أزمة إلى مؤامرة خارجية يعفي المسؤولية الداخلية(الحكومة) من الحساب كما أن اختزال المشكلة بالفساد وحده لا يكفي.
ما يحتاجه لبنان هو الاعتراف بأن الانهيار نتاج تراكمات سياسية ومالية واقتصادية خاطئة، وأن الخروج منها يتطلب تغييرا في طريقة إدارة الدولة.
لذلك فإن نقطة الانطلاق لأي حكومة يجب أن تكون برنامجا إصلاحيا معلنا بجدول زمني ومسؤوليات محددة إعادة هيكلة مالية الدولة والقطاع المصرفي بصورة عادلة وشفافة حماية صغار المودعين ضبط الإنفاق العام والمشتريات الحكومية تعزيز استقلال القضاء وأجهزة الرقابة مكافحة التهرب والفساد وإعادة توجيه الموارد نحو القطاعات الإنتاجية وخلق فرص العمل بالتوازي مع شبكة حماية اجتماعية للفئات الأكثر تضرراً.
لكن الإصلاح يبقى ناقصا إذا لم يرافقه مسار واضح للمساءلة والمحاسبة. المطلوب إنشاء آلية مؤسساتية مستقلة وشفافة لتدقيق القرارات المالية والإدارية التي ساهمت في الانهيار وتحديد المسؤوليات على أساس الأدلة لا الانتماءات السياسية مع تمكين القضاء والهيئات الرقابية من التحقيق في شبهات الفساد والإثراء غير المشروع وهدر المال العام وتضارب المصالح وإحالة الملفات التي تتوافر فيها الأدلة إلى القضاء المختص مع ضمان حق الدفاع والمحاكمة العادلة. كما يجب نشر نتائج التدقيق والتقارير الرقابية للرأي العام ووضع قواعد تمنع من تثبت مسؤوليته قضائيا عن جرائم مالية أو فساد من العودة إلى إدارة المال العام وفقا للقانون.
فالمحاسبة لا تعني الانتقام والإفلات من العقاب لا يمكن أن يكون ثمن الاستقرار. الدولة القوية ليست التي تحمي المسؤول مهما كان موقعه بل التي تحمي المال العام وتطبق القانون على الجميع من أصغر موظف إلى أعلى مسؤول.
لبنان لا يحتاج إلى معجزة بل إلى قرار سياسي واضح وقف ترحيل الخسائر إعلان المسؤوليات تنفيذ الإصلاحات ومحاسبة من تثبت مسؤوليته أمام القضاء وقياس النتائج أمام الرأي العام.
وإذا كانت الأزمة قد كشفت عجز النموذج القديم فالمطلوب اليوم ليس إنقاذه بل بناء نموذج اقتصادي واجتماعي أكثر إنتاجا وعدالة وقدرة على حماية الناس.
الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما يصبح السؤال ماذا سنفعل؟ مقترنا بسؤال لا يقل أهمية من يتحمل المسؤولية وفق القانون؟.
عندها فقط ينتقل لبنان من إدارة الانهيار إلى بناء دولة تحاسب وتصلح وتستعيد ثقة مواطنيها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى