مقالات رأي

من يقف وراء تدفق المهاجرين وهل تنجح ضغوط «شنغن» في كسر استقلالية إسبانيا؟

 

حسن حردان

أثارت أزمة التدفق المفاجئ للمهاجرين نحو مدينة سبتة وما تلاها من مطالبات أوروبية (قادتها إيطاليا وأيّدتها فنلندا ودنمارك) بتعليق عضوية إسبانيا في منطقة “شنغن” جدلاً واسعاً وطرحت الاسئلة حول الأبعاد السياسية والخلفيات الحقيقية وراء هذا التصعيد.. والتداعيات المتوقعة على تماسك الاتحاد الاوروبي، واستطرادا ماهية الخلاصات مما حصل.

أولاً: هل إخراج إسبانيا من “الشنغن”
“مؤامرة” بسبب مواقفها السياسية المستقلة؟
1 ـ الجانب السياسي والضغوط: يرى الكثير من المراقبين والمحللين أنّ توقيت وضراوة الهجوم الدبلوماسي الأوروبي (خصوصاً من الحكومات اليمينية في بعض العواصم الأوروبية) قد يحمل في طياته دوافع سياسية غير معلنة. فقد تميّزت حكومة بيدرو سانشيز في إسبانيا بمواقف اعتبرت “خارجة عن الإجماع الأوروبي التقليدي” في عدة ملفات حساسة؛ أبرزها:
ـ مواقفها المتقدمة والناقدة للسياسات الإسرائيلية تجاه القضية الفلسطينية.
ـ مقاربتها المستقلة نسبياً في التعامل مع ملفات المنطقة وإيران.
ـ خطواتها السابقة في تسوية أوضاع المهاجرين.
2 ـ الغطاء المؤسسي (أزمة الحدود): في المقابل، تتذرّع الدول المطالبة بالتعليق (مثل إيطاليا بقيادة جورجيا ميلوني) باعتبارات أمنية بحتة تتعلق بحماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، معتبرة أنّ تدفق الآلاف دفعة واحدة وبشكل فوضوي يشكل ثغرة أمنية تهدّد فضاء شنغن ككلّ. لذا، يرى البعض أنّ الأزمة تُستغلّ من قبل اللوبيات اليمينية والخصوم السياسيين للضغط على مدريد ووضعها في قفص الاتهام، سواء كان ذلك تنفيذاً لمؤامرة ممنهجة أو توظيفاً انتهازياً لأزمة حدودية حقيقية.

ثانياً: من كان وراء
تدفق المهاجرين المغاربة؟
بحسب التقديرات والتحقيقات الرسمية والميدانية المتاحة حول أحداث سبتة، لم يكن التدفق ناجماً عن قرار سياسي مباشر وممنهج من دولة بعينها، بل تداخلت فيه عدة عوامل أبرزها:
*العامل الأول: شائعات وثغرات قانونية استغلتها شبكات التهريب: أشارت التحليلات والمسؤولون الأوروبيون (ومنهم ممثلون عن الاتحاد الأوروبي والسلطات الإسبانية) إلا أنّ مافيات وشبكات الاتجار بالبشر لعبت الدور الأساسي والشرير خلف الأزمة. فقد روّجت هذه الشبكات لتفسير مغلوط وسريع الانتشار لحكم صادر عن المحكمة العليا الإسبانية يتعلق بقواعد التعامل مع المهاجرين الواصلين بحراً، مما دفع المئات (من المغاربة ومن دول أفريقية أخرى) إلى التدفق نحو الشواطئ سباحةً على أمل العبور.
*العامل الثاني: الظروف الداخلية والهشاشة الاجتماعية: تبقى الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والرغبة العارمة لدى الشباب في الهجرة نحو أوروبا هي الوقود الأساسي وراء أيّ تدفق، حيث تستغلّ شبكات التهريب هذه الظروف لتنظيم عمليات الهجرة السرية مستفيدة من القرب الجغرافي.
*العامل الثالث: توظيف الملف في الصراع الجيوسياسي: على الصعيد الإقليمي، كثيراً ما تُستخدم ورقة الهجرة والحدود في التجاذبات الدبلوماسية بين الضفتين (المغرب وإسبانيا والاتحاد الأوروبي)، حيث تُمارَس ضغوط متبادلة لتحقيق مكاسب أمنية أو مادية أو سياسية، غير أنّ الانفجار الأخير جاء نتيجة مباشرة لعمليات “تضليل ممنهج” قادتها شبكات الجريمة المنظمة مستغلة الثغرات القانونية والزخم الإعلامي.

ثالثاّ: التداعيات
على تماسك الاتحاد الأوروبي
إنّ الإقدام على استبعاد دولة بحجم إسبانيا من منظومة “شنغن” يمثل هزة عنيفة لبنيان الاتحاد، وتنطوي تداعياته على مسارين أساسيين:

مسار انهيار حرية التنقل وثقة المؤسسات: يُعد فضاء شنغن الرمز الأكثر ملموسية للاندماج الأوروبي. فرض قيود أو تعليق العضوية يعيد إحياء الحدود القومية المغلقة، ويقوض مبدأ التضامن الأوروبي المشترك، محولاً الاتحاد من فضاء قانوني موحد إلى تجمع مصالح هش.
مسار تعميق الانقسامات الجيوسياسية: يُكرس هذا النهج الهوة بين شمال أوروبا وجنوبها، ويمنح التيارات القومية واليمينية المتطرفة زخماً إضافياً على حساب حكومات الوسط واليسار، مما يعزز شعور دول الجنوب بأنها تتحمّل وحدها الأعباء بينما تُستهدف سياسياً عند أيّ أزمة.

رابعا: الخلاصات…
في ضوء ما تقدّم يمكن تسجيل الخلاصات التالية:
1 ـ تثبت الأزمة هشاشة المنظومة الأوروبية الحالية في التعامل المشترك مع ملف الهجرة، حيث يُلجأ للحلول العقابية الأحادية بدل التضامن المؤسسي.
2 ـ إنّ استهداف إسبانيا يكشف عن صراع خفي داخل الاتحاد بين نزعات السيادة الوطنية المستقلة وضغوط المحافظين واليمين المتطرف المتمسك بفرض أجنداته السياسية على بقية دول الاتحاد التي تنتهج سياسات تتعارض مع هذه الأجندات.
3 ـ تحوّلت ورقة الهجرة إلى أداة تجاذب سياسي وجيوسياسي، تتجاوز الجانب الإنساني أو الأمني إلى إعادة هندسة النفوذ داخل بروكسل…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى