الصحف

وَزِيــرُ الــخــارجــيــة بــلــع لــســانــه أمــام خــريــطــة تــغــيــيــر الــحــدود: هــل تــجــرؤ الــســلــطــة عــلــى تــعــلــيــق جــولــة الــتــفــاوض الــمــقــبــلــة؟

 

صـحـ📰ـيـفـة “الأخـبـار”

فارق كبير بين أن تحذف إسرائيل خريطة من حساب على منصة «إكس»، وبين أن تتراجع عن الدلالة السياسية التي حملتها الخريطة.

فالأول إجراء تقني، أما الثاني فيحتاج إلى موقف لبناني قادر على تحويل الواقعة إلى قضية دبلوماسية لا يمكن طمسها بمجرد إزالة المنشور.

فوزارة الخارجية الإسرائيلية نشرت خريطة إحصائية ظهرت فيها أجزاء من جنوب لبنان ضمن المساحة الإسرائيلية،

في توقيت لا يمكن فصله عن المفاوضات الجارية بين لبنان وكيان الاحتلال، ولا عن النقاش المتصل بالانسحاب ومستقبل المنطقة الحدودية.

صحيح أن الخريطة حُذفت لاحقاً من أحد الحسابات الإسرائيلية، إلا أن نسخة أخرى منها بقيت متداولة على الحساب الناطق بالعربية،

فيما لم يسجّل لبنان، حتى الآن، أي اعتراض رسمي وعلني على هذه الواقعة.

بالتأكيد، لم يكن ما حصل مجرّد خطأ. فبالنسبة إلى إسرائيل، المفاوضات ليست بديلاً من أدوات الضغط الأخرى، بل واحدة منها.

تفاوض وتضغط، وتبقي قواتها ومواقعها حيث ترى أن مصالحها تقتضي، وتسعى إلى تثبيت ترتيبات أمنية، وفي الوقت نفسه تحافظ على أوسع هامش ممكن للمناورة السياسية.

أما لبنان، فيبدو أن دخوله المسار التفاوضي لا يتجاوز، في كثير من الأحيان، الحرص على الوقوف على خاطر الولايات المتحدة.

لكن ما حصل أمس يتجاوز حتى هذا الحرص. إذ ليس مفهوماً كيف أن السلطة اللبنانية، حتى كتابة هذه السطور، لم تصدر أي بيان رسمي واضح إزاء ما جرى،

واكتفت بتسريبات إعلامية تتحدث عن أن سفيرة لبنان في واشنطن ندى معوض أجرت اتصالات سياسية أدت إلى سحب الخريطة.

علماً أن هذا الأمر، في الأصل، ليس من مسؤولية السفيرة، بل من صلب مسؤولية وزارة الخارجية اللبنانية التي بلعت لسانها.

فقد كان يفترض أن تكون الخريطة، مناسبة لعمل دبلوماسي لبناني متكامل: أن تُرسل وزارة الخارجية مذكرة رسمية إلى الأمين العام للأمم المتحدة،

وتطلب تعميمها على الدول الأعضاء، وأن تسجّل اعتراضاً لدى مجلس الأمن، مرفقةً بالمرجعيات والخرائط والوثائق التي تثبت الحدود اللبنانية.

وكان يفترض، في موازاة ذلك، أن تؤكد أن أي تفاوض لبناني – إسرائيلي يستند إلى الحدود الدولية القائمة، لا إلى خطوط السيطرة التي فرضتها الحرب.

ولبنان لا يحتاج إلى اختراع حجته. فالحدود الدولية بين لبنان وفلسطين الانتدابية كانت موضع اتفاق بريطاني – فرنسي عام 1923،

وجاء اتفاق الهدنة اللبناني – الإسرائيلي عام 1949 لينص على أن خط الهدنة يتبع الحدود الدولية بين لبنان وفلسطين.

وفي عام 1978، لم يترك مجلس الأمن المسألة غامضة؛

إذ طالب القرار 425 بـ«الاحترام الصارم» للسلامة الإقليمية للبنان وسيادته واستقلاله السياسي ضمن حدوده المعترف بها دولياً، وطالب إسرائيل بالانسحاب من الأراضي اللبنانية.

والأهم أن الأمم المتحدة، عندما تحققت من الانسحاب الإسرائيلي عام 2000، لم تتعامل مع الحدود باعتبارها خطاً جديداً يحتاج إلى تفاوض سياسي من الصفر،

بل انطلقت من ضرورة تحديد خط يتوافق مع الحدود المعترف بها دولياً للبنان، استناداً إلى الخرائط والوثائق المتاحة.

فما الذي يمنع وزارة الخارجية اللبنانية من استخدام هذا السجل؟

في هذا السياق، تقول مصادر دبلوماسية لـ«الأخبار»: «إذا كانت بيروت قد نجحت فعلاً في الضغط عبر واشنطن لسحب الخريطة، فلا ينبغي أن تكون هذه نهاية القضية، بل بدايتها.

فالاعتراض الذي يبقى محصوراً في دائرة الاتصالات الثنائية يظل قابلاً للنسيان، أما الاعتراض المودَع رسمياً لدى الأمم المتحدة فيتحول إلى جزء من السجل الدولي الذي يمكن العودة إليه غداً وبعد سنوات».

ورأت أن «لبنان كان يستطيع أن يجعل من الخريطة اختباراً بسيطاً للوساطة الأميركية:

هل تقبل واشنطن بأن تكون مرجعية التفاوض هي الحدود الدولية المعترف بها، أم تسمح بأن تدخل إلى طاولة التفاوض وقائع جغرافية فرضتها القوة العسكرية؟».

المشكلة، هنا، أن الدولة اللبنانية لا تزال تتصرف بمنطق ردّ الفعل، فيما يتصرف الطرف الآخر بمنطق فرض الوقائع.

فخريطة من هذا النوع لا تستدعي بيان استنكار عابراً فحسب، بل تستوجب تثبيت موقف لبناني رسمي مدعّم بالوثائق والمرجعيات الدولية، في مواجهة أي محاولة لإعادة رسم صورة الحدود.

أما الاكتفاء بسحب الخريطة، فيعني ببساطة قبول حصر المعركة في المنشور، فيما المعركة الحقيقية تدور حول سؤال أكثر خطورة: من يملك حق رسم حدود لبنان؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى