صحيفة معاريف: الحل يكمن في حكومة وحدة وطنية بدون نتنياهو

رصد الاعلام الإسرائيلي
البروفيسور دانيال فريدمان
تواجه دولة إسرائيل حاليا أزمة مزدوجة: سياسية وأمنية، تُضاف إليها أزمة داخلية تُقوّض النظام والمجتمع. الأزمة السياسية والأمنية هي نتيجة كارثة 7 أكتوبر والحرب المستمرة التي تشنها حكومة نتنياهو.
بعد ما يقرب من ثلاث سنوات من الحرب، لا تزال جميع الجبهات مفتوحة. مع ذلك، بدلا من أن تسعى الحكومة إلى إنهاء الحرب، تُشعل جبهة جديدة في سوريا، وربما مع تركيا أيضا. هذا في حين لا تزال حماس تسيطر على غزة، ولا يزال حزب الله قوة عسكرية في لبنان، ويستمر النظام في إيران والحوثيون في تعطيل حركة الملاحة البحرية، بما في ذلك تلك المتجهة إلى إسرائيل، ويبقى التهديد النووي قائما.
يحدث كل هذا في وقت انهارت فيه مكانة إسرائيل الدولية تماما، وأصبحت تعتمد كليا على الولايات المتحدة ورئيسها دونالد ترامب. وفي الوقت نفسه، تعاني إسرائيل من أزمة داخلية عميقة، تُشكّل خطرا على النظام ونمط الحياة في البلاد. تتصارع سلطات الدولة، بقيادة رئيس الوزراء من جهة، والنظام القضائي، بقيادة المحكمة العليا من جهة أخرى، على السلطة. ويتسم هذا الصراع بغياب قواعد مُتفق عليها، وإنكار كل طرف لشرعية قرارات الطرف الآخر. وفي الوقت نفسه، أنشأ الحريديم دولة طفيلية داخل دولة إسرائيل، تستفيد من الدعم والمساندة من الدولة الأم.
يتفاقم هذا الوضع الفوضوي العام بسبب الارتفاع الحاد في معدلات الجريمة والإرهاب اليهودي المستشري في جميع أنحاء الضفة الغربية، دون رادع. ففي السنوات الثمانين الأخيرة، كان هناك من أعتقد أن اسرائيل لم تشهد أزمة مزدوجة، داخلية وخارجية، يمكن مقارنتها بالأزمة المزدوجة الحالية. وقد كانت هذه الأزمة عقب حرب لبنان الأولى، عام ١٩٨٢، وشهدت اشتباكات مع السوريين، وأسفرت عن مئات الضحايا. سيطر الجيش الإسرائيلي على أجزاء واسعة من لبنان ووصل إلى بيروت، حيث تولى بشير الجميل، المسيحي المؤيد لإسرائيل، منصب الرئيس، لكنه اغتيل على يد السوريين، وردّت الكتائب المسيحية بمجزرة مروعة في مخيمي صبرا وشاتيلا للاجئين. أدت هذه الحادثة إلى احتجاجات واسعة النطاق، كانت في جوهرها احتجاجات على مجمل أحداث حرب لبنان.
كان الجيش الإسرائيلي متورطا في لبنان، وكانت هناك تفجيرات انتحارية بشاحنات مفخخة، مما أسفر عن عشرات القتلى. كما كان الوضع الداخلي على وشك الانهيار. لم يكن الاقتصاد قد تعافى بعد من كارثة حرب أكتوبر (حرب يوم الغفران) التي وقعت قبل نحو عشر سنوات، وبلغ التضخم 400% سنويا. انتهت الانتخابات التي جرت في يوليو/تموز 1984 بتعادل بين حزب التحالف، بقيادة شيمون بيريز، وحزب الليكود، بقيادة يتسحاك شامير. ثم، وفي خضم الأزمة المزدوجة التي بدت مستعصية على الحل، شُكّلت حكومة وحدة وطنية على أساس التناوب في قيادة الحكومة، وقد نُفّذ هذا التناوب، على عكس التناوب الذي وعد به نتنياهو بيني غانتس، وهو وعد لم يتردد في نقضه.
كانت هذه أفضل حكومة شهدتها إسرائيل خلال الخمسين عاما التي تلت حرب أكتوبر. تم التوصل إلى حل مؤقت للأزمة العسكرية في لبنان، واتُخذ قرار بالانسحاب إلى خط جديد. كما تم اعتماد خطة اقتصادية جديدة، قضت على التضخم، ووُضعت في إطارها قواعد ضمنت الاستقرار الاقتصادي. وما نزال بحاجة إلى حكومة كهذه اليوم، وليس واضحا ما إذا كانت الانتخابات المقبلة ستؤدي إلى تشكيلها.
يجب التذكير بأن العامل الرئيسي الذي مكّن من تشكيل حكومة وحدة وطنية عام ١٩٨٤ كان استقالة رئيس الوزراء مناحيم بيغن، الذي كان مسؤولاً شخصياً عن الأزمة الأمنية الناجمة عن حرب لبنان الأولى، وبصفته رئيساً للوزراء، كان مسؤولا أيضاً عن الأزمة الاقتصادية. استقال بيغن طواعيةً، لكن نتنياهو لن يفعل ذلك. لقد تخلى نتنياهو عن الشعور بالمسؤولية، لكن استقالته ضرورية لإنعاش البلاد. فهو مسؤول عن الأزمة المزدوجة التي نمر بها حالياً. لقد أصبح شخصية مكروهة من نصف الشعب الإسرائيلي، وشخصية مرفوضة ومكروهة في العديد من دول العالم، بما فيها دول في منطقتنا. وجوده سيؤدي فقط إلى عرقلة الإصلاحات الضرورية.
ختاماً: نقف اليوم أمام انتخابات ستحدد نتائجها ما إذا كانت ستضع حداً لفترة حكم نتنياهو المُدمرة وتشكيل حكومة قادرة على التوصل إلى توافق واسع النطاق وهو أمر مطلوب للتعامل مع الأزمة المزدوجة التي نواجهها.


