استراتيجيات وتقارير

الهجرة اللبنانية إلى دول الخليج العربي (2)

خريطة ديموغرافية للانتشار من السعودية والإمارات إلى قطر والكويت .

 

 

د. علي فاعور: عضو المجلس الوطني للبحوث العلمية

مقدمة

بعد أن اتسعت موجات الهجرة اللبنانية إلى دول الخليج، لم يعد السؤال مقتصراً على حجم المغادرين وخصائصهم، بل أصبح يتعلق أيضاً بالمكان الذي تستقر فيه هذه القوى البشرية، وبالأثر الذي تتركه هجرتها على لبنان. فخلف التوزيع بين دول الخليج تتشكل شبكة حضرية من المدن الكبرى تستقطب المهنيين وأصحاب الكفاءات، وفي المقابل تتدفق إلى لبنان تحويلات مالية تشكل مورداً أساسياً للأسر والاقتصاد. ومن هنا يتناول هذا الجزء جغرافية الأقطاب الحضرية للهجرة اللبنانية، ثم المعادلة غير المتوازنة بين التحويلات المالية الداخلة ورأس المال البشري المغادر.

رابعاً- من الرياض ودبي إلى الدوحة والكويت… شبكة حضرية للهجرة اللبنانية

لا تتوزع الهجرة اللبنانية الجديدة بالتساوي داخل دول الخليج؛ فخلف الأرقام الوطنية تظهر شبكة من المدن الكبرى تستقطب القسم الأهم من حركة العمل والكفاءات: الرياض وجدة في السعودية، ودبي وأبوظبي في الإمارات، ثم الدوحة ومدينة الكويت، وبعدها إلى المنامة ومسقط. وتختلف وظائف هذه العقد بين الإدارة والأعمال والمال والتكنولوجيا والهندسة والصحة والخدمات، بما يجعل المدينة وسوق العمل المرتبط بها وحدة أساسية لفهم جغرافية الهجرة الجديدة.

الرياض وجدة… قطبا السوق السعودية

تمثل الرياض أبرز العقد الصاعدة في خريطة الهجرة اللبنانية إلى السعودية،  (وتضم قرابة 120.000إلى 150,000 لبناني)، مستفيدة من توسع قطاعات الإدارة والاستشارات والمال والتكنولوجيا والمشروعات الكبرى وجذب الشركات الإقليمية والدولية. وبذلك أصبحت العاصمة سوقاً متزايدة الأهمية للمهنيين وأصحاب الخبرات الذين تتلاءم مؤهلاتهم مع التحوّلات الاقتصادية الجديدة.

وتؤدي جدة وظيفة مختلفة ومكمّلة، مستندة إلى تاريخها كمركز تجاري وخدمي رئيسي وبوابة للمنطقة الغربية، فهي تضم بين 80 و 90 ألف لبناني، فيما تشكل الدمام والمنطقة الشرقية، وبالأخص في الخبر والجبيل، امتداداً إضافياً يرتبط بالصناعة والطاقة والخدمات، وهي تستوعب ما يقارب 15%  إلى  20% من إجمالي حجم الجالية اللبنانية في السعودية، وهكذا لا يتركز الثقل اللبناني السعودي في مدينة واحدة، وإن كانت الرياض تمثل العقدة الأكثر دينامية في الموجة الحديثة.

دبي وأبوظبي… قطبان للأعمال والمهن الحديثة

في الإمارات تتقدم دبي وأبوظبي بوظيفتين متكاملتين. فدبي تشكل مركزاً إقليمياً للشركات والتجارة والمال والاستشارات والإعلام والتكنولوجيا والخدمات، وهي تضم بين 70 الى 100 ألف لبناني، ما يجعلها بيئة ملائمة لهجرة المهنيين اللبنانيين ولانتقال بعض الأعمال والشركات التي تبحث عن سوق أوسع وأكثر استقراراً.

أما أبوظبي فتستند إلى ثقل مختلف يرتبط بالمؤسسات والاستثمار والطاقة والمال والخدمات المتخصصة. وتضم بين 35 و37 ألف لبناني، وبذلك لا تمثل الإمارات وجهة واحدة متجانسة، بل نظاماً حضرياً متعدد الوظائف تتقدم فيه دبي كمنصة أعمال إقليمية وأبوظبي كمركز مؤسساتي واستثماري.

الدوحة والكويت… عقدتان متوسطتان بوظيفتين مختلفتين

تأتي الدوحة ومدينة الكويت في مستوى آخر من الشبكة، لكن لكل منهما مسار مختلف. فالدوحة يعيش فيها أكثر من 90% من إجمالي اللبنانيين في قطر، أي قرابة 25 إلى 30 ألف لبناني،  وتمثل سوقاً حضرية شديدة التركيز، ارتبط نموها بالمشروعات الكبرى والخدمات والتعليم والضيافة والمال والأنشطة الدولية، ولذلك يستقطب مجالها الحضري الجزء الأكبر من الحركة المهنية الوافدة إلى قطر.

أما مدينة الكويت فتستند إلى شبكة لبنانية أقدم وأكثر رسوخاً، حيث يتركز معظم أبناء الجالية اللبنانية البالغ عددهم بين 40-45 ألفاً في العاصمة والمدن الحيوية المحيطة بها (مثل حولي والسالمية)، وهي قد تشكلت عبر عقود من العمل والتجارة والمهن، وهو ما يوفر للموجات الجديدة روابط مهنية واجتماعية تساعد على الدخول إلى سوق العمل.

المنامة ومسقط… عقد أصغر وأكثر تخصصاً

في المستوى الثالث تظهر المنامة (في البحرين) ومسقط (عُمان) بوصفهما عقدتين أصغر حجماً وأكثر تخصصاً. فالمنامة تضم نحو 9000 لبناني، يمثلون الغالبية الساحقة من اللبنانيين في البحرين، وهي  ترتبط بصورة خاصة بالخدمات المالية والمصرفية والأعمال، بينما تتصل مسقط (وتضم نحو 4000 لبناني) بمجالات التجارة والهندسة والخدمات المهنية. ولا تكمن أهميتهما في منافسة الرياض أو دبي من حيث الحجم، بل في إثبات أن الشبكة اللبنانية تمتد إلى جميع دول مجلس التعاون ضمن تدرج واضح في حجم العقد ووظائفها.

شبكات قديمة تستقبل مهاجرين جدداً

لا تعمل هذه الأقطاب بمعزل عن تاريخ الهجرة اللبنانية إليها. ففي المدن الخليجية الرئيسية سبقت أزمة 2019 عقود من الحضور اللبناني، وتكونت خلالها شبكات من الشركات وأصحاب الأعمال والمهنيين والأقارب والمؤسسات. وعندما انهارت فرص العمل في لبنان، تحولت هذه الشبكات إلى بنية استقبال للموجة الجديدة، تساعد في تداول المعلومات عن الوظائف وربط الباحثين عن العمل بالشركات وتخفيف كلفة الانتقال والاستقرار الأولي.

وهكذا لم تكن قوة الجذب نتيجة توسع الاقتصادات الخليجية وحده، بل حصيلة التقاء طلب جديد على المهارات في مدن خليجية متحولة مع شبكات لبنانية قديمة قادرة على تسهيل الوصول إليها.

وبالمقابل، لا تتوافر إحصاءات خليجية موحدة تتيح تحديد عدد اللبنانيين في كل مدينة بدقة، إلا أن بيانات البعثات اللبنانية والسجلات الانتخابية تكشف بوضوح شبكة حضرية رئيسية تمتد من الرياض وجدة إلى دبي وأبوظبي والدوحة والكويت. وتظهر بعض البيانات القنصلية تفاوتاً كبيراً في حجم هذه العقد: فقد قدرت تقارير لبنانية عدد المقيمين في جدة بنحو 80 ألفاً، وفي أبوظبي بنحو 37 ألفاً، وفي الدوحة بنحو 22–30 ألفاً بحسب السنة، بينما تجاوز تقدير القنصلية اللبنانية حديثاً 200 ألف لبناني في نطاق دبي والإمارات الشمالية مجتمعة. أما الكويت، فتدور التقديرات اللبنانية الحديثة حول 40–50 ألفاً على مستوى الدولة، مع تمركز حضري واسع في العاصمة وضواحيها.

خامساً-  التحويلات ونزف رأس المال البشري.. معادلة الهجرة غير المتوازنة.

تمثل التحويلات الوجه الأكثر مباشرة للفائدة الاقتصادية التي يولدها الانتشار اللبناني في الخارج. فقد حافظت التدفقات الواردة إلى لبنان خلال سنوات الانهيار على مستويات مرتفعة، وبلغت نحو 6.3 مليارات دولار في 2022 ونحو 6.6 مليارات في 2023 وفق البيانات المستخدمة في الدراسة. لكن أهمية هذه الأموال لا تكمن في قيمتها المطلقة فقط، بل في ارتفاع وزنها قياساً إلى اقتصاد انكمش بشدة، ما جعل لبنان واحداً من أكثر الاقتصادات اعتماداً على تحويلات المغتربين. وأصبحت هذه التدفقات شبكة أمان مباشرة لشرائح واسعة من الأسر، تساعد على تمويل الغذاء والسكن والتعليم والصحة.

لبنان عربياً… وزن التحويلات أكبر من حجم الاقتصاد

لا يحتل لبنان المرتبة الأولى عربياً في القيمة المطلقة للتحويلات، لكن الصورة تتغير عندما تقاس إلى حجم الاقتصاد؛ فقد أصبحت تعادل في بعض سنوات الأزمة نحو ربع إلى ثلث الناتج المحلي بحسب السنة والمصدر. وهنا تكشف قوة التحويلات، في الوقت نفسه، قوة الاغتراب وهشاشة الاقتصاد الداخلي.

حصة الخليج من التحويلات… وزن كبير تؤكده الأرقام.

يحتل الخليج موقعاً أساسياً داخل منظومة التحويلات اللبنانية بفعل حجم الوجود اللبناني فيه وطبيعة الهجرة المهنية ومستويات الدخل، حيث تُقدر قيمة التحويلات القادمة من الخليج بنحو 3.5 إلى 4 مليارات دولار سنوياً (من أصل إجمالي تحويلات المغتربين التي بلغت رسمياً حوالي 6.4 مليارات دولار عام 2025) ، لكن البيانات الدولية الحديثة لا توفر سلسلة منتظمة وموحدة تسمح بعزل حصة دول الخليج الست من مجموع التحويلات الواردة إلى لبنان. كما أظهرت بيانات مصرف لبنان المتعلقة بالتحويلات الإلكترونية أن دول مجلس التعاون الخليجي الست شكّلت نحو 58% من التحويلات الواردة في النصف الأول من 2009، وتقدمت الإمارات والسعودية وقطر بين أبرز مصادرها. وبعد أكثر من عقد، أظهرت تقديرات البنك الدولي لعام 2021 أن السعودية أصبحت المصدر الأول عالمياً للتحويلات إلى لبنان، بنحو 1.1 مليار دولار أو 17% من الإجمالي، فيما قدرت حصة الإمارات بنحو 326 مليون دولار أو 5%.. وما يمكن تأكيده هو أن الكتلة اللبنانية الكبيرة في الأسواق الخليجية، والموجة المهنية التي أضيفت إليها بعد 2019، تجعل المنطقة أحد المصادر الرئيسية للدخل الخارجي للأسر اللبنانية.

المليارات الداخلة… ورأس المال البشري الخارج

يضع البنك الدولي التحويلات الشخصية الواردة إلى لبنان عند نحو 6.70 مليارات دولار في 2023، وهي أحدث قيمة ظاهرة للبنان في سلسلة البنك الدولي الحالية،  كما أن تقرير منظمة التعاون الاقتصادي الأوروبي  OECD  لعام 2025 يضع لبنان عند نحو 6.696 مليارات دولار، ويحدد السعودية ضمن أهم ممرات التحويل إلى لبنان.. لكن ميزان الهجرة لا يقاس بما يدخل من أموال وحدها. ففي مقابل مليارات الدولارات التي يرسلها اللبنانيون من الخارج، يغادر البلد جزء من رأس ماله البشري الأكثر قدرة على الإنتاج والتجدد. والطبيب أو المهندس أو الباحث أو المتخصص الذي يهاجر لا ينقل معه قوة عمل حالية فقط، بل سنوات من التعليم والتدريب والخبرة وإمكانات الإنتاج والابتكار مستقبلاً.

ومن هذه الزاوية يمكن أن تبلغ الخسارة الاقتصادية التراكمية لهجرة آلاف أصحاب المهارات، لما يُعرف بـ”نزيف الأدمغة” (Brain Drain)، مقياساً بمليارات الدولارات إذا احتسبت كلفة تكوينهم والدخل والقيمة المضافة التي كان يمكن أن ينتجوها خلال حياتهم المهنية. ويُقدر متوسط كلفة تنشئة وتعليم المهندس، الطبيب، أو الجامعي في لبنان (من سنوات التعليم الأولى حتى التخرج الجامعي) ما بين 75,000 إلى 150,000 دولار أمريكي. وتزداد قيمة هذه الخسارة عند مقارنتها باقتصادات متقدمة، حيث يمكن أن تصل الكلفة التراكمية لتنشئة وتعليم وتأهيل أصحاب الاختصاصات العالية إلى مئات آلاف الدولارات للفرد، تبعاً لمنهج الاحتساب والاختصاص.

التحويلات تعوّض الدخل… ولا تعوّض العقول

تستطيع التحويلات أن تعوض الأسرة عن جزء من الدخل الذي فقدته، لكنها لا تعوض المستشفى عن طبيب متخصص، ولا الجامعة عن أستاذ أو باحث، ولا المؤسسة عن مهندس أو مدير ذي خبرة. فالأموال تدعم الصمود في المدى القصير، بينما يمكن أن يؤدي استمرار خروج الكفاءات إلى إضعاف القدرة الإنتاجية والمعرفية في المدى الطويل.

وتزداد خطورة هذه الخسارة عندما تتزامن هجرة الشباب مع انخفاض الولادات واتجاه البنية السكانية نحو الشيخوخة، لأن لبنان يفقد عندها جزءاً من الفئات التي يفترض أن تحمل ثقله الديموغرافي والإنتاجي مستقبلاً.

الخاتمة

تكشف الهجرة اللبنانية الجديدة إلى الخليج، في النهاية، معادلة مزدوجة: الخارج يساعد لبنان على تمويل بقائه، فيما يستنزف استمرار الأزمة جزءاً من القوى البشرية اللازمة لتعافيه. ومن هنا لا يكفي قياس أثر الهجرة بعدد المغادرين أو بحجم الدولارات التي يرسلونها؛ فالسؤال الأبعد مدى هو مقدار ما يخسره لبنان من رأس مال بشري مقابل ما يكسبه من تحويلات.

والتحدي ليس وقف الهجرة، بل تغيير طبيعة العلاقة معها: من اقتصاد يعتمد على تحويلات الأفراد إلى شراكة تربط المغتربين بالاستثمار والمعرفة والتكنولوجيا والأسواق. عندها يمكن أن يصبح الانتشار اللبناني، الذي توسع تحت ضغط أزمات الداخل، أحد الموارد القادرة على المساهمة في إعادة بنائه.

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى