مأزق الاستنزاف الأميركي ومحاولة الهروب إلى الأمام

حسن حردان
تواجه الاستراتيجية الأميركية في المنطقة مأزقاً مزدوجاً متصاعداً؛ فمن جهة، تفقد واشنطن بالتدريج قدرتها على فرض السيطرة الشاملة عبر التواجد العسكري المباشر بفعل ارتفاع كلفة هذا الوجود بشرياً ومالياً واقتصادياً، ومن جهة أخرى، تصطدم مساعيها لردع محور المقاومة بجدار صلب من التماسك الإستراتيجي لدى أطراف المحور الذين نجحوا في إعادة توجيه بوصلة الردّ حصراً نحو مصدر القرار الأساسي.
هذا المأزق المزدوج دفع الإدارة الأميركية إلى الاعتماد المتزايد على أدوات بديلة تقوم على إدارة الفوضى، وتفعيل شبكة الوكلاء والقواعد السرية، واستخدام ورقة إثارة الصراعات البينية لاستنزاف دول المنطقة جميعاً في خدمة الأجندة الأميركية ـ “الإسرائيلية”.
أولاً: تجليات المأزق الأميركي
وفقدان القدرة على الحسم
لم تعد الولايات المتحدة قادرة على تحمّل أعباء “الحروب المفتوحة” بالطريقة التقليدية التي سادت في مطلع الألفية. فالتوازنات الدولية الجديدة، والضغوط الداخلية المرتبطة بالاستحقاق الانتخابي، وحساسية أسواق الطاقة ونقص الذخائر، تجعل من زمن واشنطن الزمن الأقصر والأكثر كلفة في أيّ مواجهة طويلة الأمد.
هذا العجز عن الدخول في حرب مباشرة وشاملة مع إيران وحلفائها دفع صانع القرار الأميركي نحو خيار بديل: الهروب إلى الأمام عبر تسعير التناقضات الإقليمية. فبدلاً من مواجهة تكلفة الصراع المباشر، تحاول واشنطن خلق بيئة مشحونة بالصراعات الجانبية التي تشغل دول الإقليم ببعضها البعض، وتضمن بقاء القواعد والمصالح الأميركية مظلة حتمية للحماية الوهمية.
ثانياً: استراتيجية
«خلجنة» الحرب وتخريب الساحات
إنّ استغلال أو افتعال بعض الحوادث الأمنية، مثل إطلاق المُسيّرات نحو المنشآت النفطية في السعودية والردّ عليها عبر ضربات عسكرية مشتركة تطال العمق العراقي أو الساحات المجاورة، يندرج ضمن عقيدة أمنية إسرائيلية ـ أميركية مشتركة تقوم على “تخريب الساحات وتغذية الفتن”.
وتكشف التقارير الميدانية عن طبيعة التحركات الاستخبارية المشتركة (والمتمثلة في زرع قواعد سرية، كمثل تلك التي ترتبط بأنشطة الموساد والاستخبارات الأميركية في صحراء العراق وسواها) عن هدف خفي يتمثل في توليد احتكاكات مستمرة، ودفع الأطراف الإقليمية إلى صدامات بينية (إيرانية ـ عربية، أو عراقية ـ خليجية، أو عبر إشعال جبهات اليمن ولبنان وسورية). إنّ الهدف الأسمى لهذا التكتيك هو تحويل المواجهة الحقيقية من طبيعتها السياسية والسيادية (ضدّ المحتلّ وصانع القرار الغربي) إلى حروب أهلية وإقليمية مذهبية وعرقية، تكون فيها «إسرائيل» المستفيد الأول والوحيد عبر ضمان تفوقها وسط ركام الاستنزاف المتبادل للجميع.
ثالثاً: وعي الرفض الإقليمي
لفخ «الحرب البيْنية”
في المقابل، تُظهر قراءة الديناميكيات الإقليمية الأخيرة أنّ قوى المقاومة وبعض العواصم الإقليمية باتت واعية تماماً لهذا الفخ الاستراتيجي. فالقرار الإيراني بعدم الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع دول الخليج، وحصر الردّ وتصويب وجهته نحو القوات والمصالح الأميركية حصراً، يعكس فهماً عميقاً لخطورة “خلجنة الحرب”.
هذا التكتيك يرسم معادلة ردع جديدة قوامها: كلّ تصعيد يُحتسب قراراً أميركياً وتدفع واشنطن وحدها ثمنه الميداني والاقتصادي. إنّ تحييد الساحات البينية وحصر الضغط بصاحب القرار الحقيقي يهدف إلى تقصير عمر الأزمة؛ لأنّ الضغط على الداخل الأميركي وأسواق طاقته ومخزونه هو الكفيل بإجبار واشنطن على كبح جماح التهور الإسرائيلي والنزول عند تسويات كبرى توقف العدوان على غزة ولبنان.
خلاصة القول: إنّ الرهان الأميركي على إشعال الصراعات البيْنية في المنطقة لم يعد مجرد تكهّنات، بل هو سلوك استراتيجي تعتمده واشنطن للتعويض عن مأزقها وعجزها عن خوض حروب نيابة عن نفسها. غير أنّ إدراك خطورة هذا المخطط من قبل الأطراف المستهدفة بالاستنزاف، والتمسك برفض تحويل الصراع إلى حروب إقليمية بينية، يمثلان السلاح الأقوى لإسقاط هذا المخطط. فالطريق الوحيد لوقف النزيف الإقليمي يكمن في توجيه بوصلة الصراع نحو مصدره الأساسي، وجعل تكلفة الوجود الأميركي في المنطقة باهظة بما يكفي لدفع واشنطن نحو إنهاء سياسة الفوضى والانسحاب من معادلات الدم والاستنزاف… وإلزام كيان الاحتلال “الإسرئيلي” بالانسحاب من لبنان وسورية وغزة ووقف عدوانه الاستيطاني في الضفة الغربية والقدس المحتلتين…


